هل يمكن وجود أفكار خارج إطار اللغة؟
مقالة جدلية:هل يمكن تصور وجود أفكار خارج إطار اللغة؟
هل من الممكن أن نعد اللغة عائق لأفكارنا ؟
هل هما شيئان مختلف نام هما شيء واحد؟
طرح المشكلة :
إننا إذا أردنا أن نبحث عن حقيقة الإنسان وعن طبيعة مدركاته أو حاولنا البحث عن حقيقة المعرفة فإننا لا نستطيع أن نكشف عن كل ذلك إلا بواسطة اللغة، وهذا لأن اللغة الأداة التي تحدد علاقاتنا مع عالم الأشياء وتحقيق التواصل مع غيرنا ومن هذا الأساس المحوري لظاهرة اللغة كان لا بد على الباحث والمتعلم في آن واحد من البحث عن بيان طبيعتها وفهم حقيقتها والكشف عن أهميتها، واذا كان الفكر حديث داخلي أي وظيفة نفسية إنسانية فان الفلاسفة وعلماء اللغة اختلفوا حول العلاقة التي تجمع اللغة بالفكر ما اذا كنت علاقة اتصال ام انفصال .
هو الأمر الذي جعلنا نتساءل :
هل من الممكن أن نعد اللغة عائق لأفكارنا ؟
هل هما شيئان مختلف نام هما شيء واحد؟
محاولة حل الإشكالية:
الاطروحة الاولى : يرى أنصار الاتجاه الثنائي أن العلاقة الموجودة بين اللغة والفكر علاقة انفصال ولا يمكن أن تكون علاقة اتصالية ومن بين هؤلاء الفيلسوف هنري براغسون إذ يقر بعدم التناسب بين اللفظة والفكرة اللغة تمتاز بالانفصال وبالتالي هي عاجزة بينما الفكرة متقدمة وبالتالي هي متصلة يقول "براغسون "اعتقد أننا نملك أفكارا أكثر مما نمتلك أصواتً " كما يقول أيضا " الفكر ذاتي وفردي بينما اللغة موضوعية واجتماعية " ومن مؤيدي هذا الموقف أيضا الفيلسوف "فاليري"حيث يقول "إن أجمل الأفكار هي التي لا نستطيع التعبير عنها " أما أبو حيان التوحيدي فيذهب في رأيه بأنه ليس في قوة اللغة أن تمتلك كل المعاني والأفكار ولعل من مؤيدي هذا الموقف والذين يدافعون عنه أهل الصوفية إذ يصلون إلى مراتب ودرجات يضيق عنها نطاق النطق فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا واشتمل لفظه على خطاء صريح لا يمكنه الاحتراز منه كما أن الإنسان وفي كثير من الأحيان نجده عاجزا عن التبليغ فهو يشعر بعجز اللغة على مسايرة الفكر هذا ما حصل"للبسطامي" و"الحلاج" و"البدوي" الذي فقد ناقته في الطريق والدليل على ذلك نجد الأدباء وعلى الرغم من امتلاكهم لثروة لغوية هائلة إلا أنهم يعانون أحيانا من مشكلة التبليغ والتلميذ كثيرا ما تخونه اللغة في تبليغ إجابته إلى المصحح ومن الناحية الواقعية يشعر عامة الناس بعدم المساواة بين قدرتهم في التفكير وقدرتهم على التعبير وهذا ما جعل "براغسون"يحدد نوعين من المعرفة معرفة رمزيةنتحصل بها على معارف رمزية وهي أدوات يتوصل بها العقل العارف إلى الشيء المعروف أما الثانية فهي معرفة حدسية وهي التي نحتاج فيها إلى وسائط بل يكون الوصول إليها مباشر ومن جملة الأدلة التي يؤكد بها القائلون باستقلالية اللغة عن الفكر هي أن الفكر اسبق في تعامله مع الواقع ثم انه لو كانت اللغة كافية لما احتاج الإنسان إلى وسائط أخرى بغرض التعبير عن أفكاره وإلا ما الدافع الذي جعل "فاليري" يقول "إن أجمل الأشعار هي التي لم تكتب بعد "
النقد "المناقشة":
لكن نلاحظ أنه اذا سلمنا بأن الفكر سابق عن اللغة من الناحية المنطقية فهو غير سابق عنها من الناحية الزمنية و إلا كيف نفسر السبق في الوجود ؟ وبناء على هذا وجهت جمله من الانتقادات لأصحاب هذا الموقف أولها : إنالإقرار بالفصل بين اللغة والفكر فعل تعسفي إذ لا يمكن التقليل من شأن اللغة لأنها الوسيلة التي تنقل الأفكار ثم أنه لولا وجود اللغة لما كتب القرآن وفهمت معانيه فالفكر بدون لغة يبقى حبيس ولا معنى له، يقول "اميل بنفنست " إن الذهن لا يحتوي على أشكال خاوية أو مفاهيم غير مسماة" كما يؤكد الفيلسوف "سيروس"على استحالة الفصل بين اللغة والفكر أما"أبو حامد الغزالي" فيرى بان الفكر وحي داخلي بينما اللغة ترجمة خارجية له.
الاطروحة الثانية : على النقيض من الاتجاه الأول وعلى خلافه ينظر أنصار الاتجاه الأحادي أمثال اللساني السويسري"دوسوسير" والعالم "لافيل"أن العلاقة الموجودة بين اللغة والفكر علاقة اتصال إذ هما شيء واحد لا يمكن الفصل بينهما بأي شكل من الأشكال كما انه لا توجد أيضاأفكار خارج نطاق اللغة ذلك لان الفكر واللغة ليسا سوى مظهرين لعملية نفسية واحدة أي كالورقة بوجهيها لايمكن الاستغناء عن وجه من الوجهين حيث يؤكد هذا الموقف الفيلسوف "مولير"بقوله: "لا يمكن أن يأتي يوم لا تستطيع فيه اللغة الفرنسية التعبير عن مشاعري وأفكاري " كما ذهب كل من"هيجل"وَ "جولياكريستيفا" على أن العلاقة الموجودة بين اللغة والفكر هي علاقة تلازم وتبعية وهذا ما جعل الفيلسوف "لافيل" يصرح قائلا " ليست اللغة كما يعتقد البعض ثوب الفكر بل جسمه الحقيقي" فعملية التفكير لا تعدو سوى ضربا من الكلام الخافت فقد قيل: "إن التفكير الصامت الذي يوحي لنا بوجود حياة باطنيةماهو إلا حوار داخلي يتم بين الذات ونفسها ومن هذا يتبين أن اللغة والفكر متصلان يشكلان ثنائية متكاملةومنه لا يمكن القول بأسبقية احدهما على الأخر فهما متطابقان كفاعلية ذهنيه يقول "جون لوك":"إن اللغة عبارة عن علامات حسية معينة تدل على الأفكار الموجودة في الذهن" كما أن الطفل لايتعلم التفكير إلاإذا تعلم التعبير وهذا إن دل يدل على التلازم أما علم النفس فقد أكد على أن الطفل في مراحله الأولى لا يقوى على شيء حيث يبقى جاهلاًبالعالم الخارجي المحيط به إلا بعد تعلمه واكتسابه للألفاظ والجمل ومنهذا تتشكل لديه الأفكار وتتكون .
النقد"المناقشة":لكن نلاحظ أن هذا الموقف هو الأخر لم يسلم من الاعتراضات من قبل جملة من الفلاسفة واللغويين ذلك لقوله بالوحداويه بين اللغة والفكر وهذا غير مقبول من الناحية النظرية والواقعية كون اللغة إشارات ورموز أيألفاظ تدل على المعاني بينما العقل هو الذي ينشئ المعاني ويضع لها رموز وهذا ما يجعلنا نعتبر أنالأسبقية للفكر وليس للغة كونها تعجز أحيانا عن التبليغ ثم انه لو كانت اللغة والفكر شيء واحد لجاز لنا أن نكتفي بواحد منهما دون الأخر كما أننا لو سلمنا بالوحداويه بينهما لوجدنا أن الفكر ثابت بثبات الألفاظ وأن اللغة متغيرة بتغير المعاني وهذا يستحيل.
التركيب:"تركيب بين الموقفين":وعموما يمكننا أن نقول لا يمكن الفصل بشكل عملي بين اللغة والفكر ذلك لان اللغة بمثابة الوعاء والفكر بمثابة المضمون لذا قال"ماكس مولير" "إن العلاقة بين اللغة والفكر كالقطعة النقدية الواحدة وجهها الأول الفكر ووجهها الثاني اللغة وإذا فسد أي وجه من الوجهين فسدت القطعة" كما يؤكد هذه العلاقة "دولا كروا" بقوله: "اللغة تصنع الفكر والفكر يصنع اللغة"أما"ميرلوبونتي" فقد عبر عن هذه العلاقة بقوله: "أن الفكر لا وجود له خارج نطاق الكلمات"أما"هاملتون" هو الأخر اعتبر بأن المعاني شبيهة بشرارة النار لا تومض إلا لتغيب فلا يمكن إظهارها وتثبيتها إلا بالألفاظ.
حل المشكلة :
الخاتمة : وختاما ومما سبق نستنتج أن العلاقة بين اللغة والفكر لاهي انفصالية تامة ولا هي اتحادية مطلقة إذ تطور اللغة يبقى رهين تطور النشاط الإنسان، يمكننا أن نقول أن العلاقة بينهما تكاملية تفاعلية أي ثنائية بثنائية الإنسان فهو جسم وروح . و في الاخير ينبغي القول أنه لا توجد لغة بدون فكر ولا فكر بدون لغة ، فالفكر متضمن داخل اللغة واللغة لباس الفكر كما يقول دولاكروا :) إن الفكر يصنع اللغة ، وهي تصنعه (كما أكدت الدراسات والأبحاث العلمية اللسانية هذه العلاقة التي تشبه العلاقة بين وجه الورقة النقدية وظهرها حيث يقول دو سوسير : (( إن الفكر هو وجه الصفحة ، بينما الصوت هو ظهر الصفحة ، ولا يمكن قطع الوجه دون أن يتم في الوقت نفسه قطع الظهر ، وبالتالي لا يمكن في مضمار اللغة فصل الصوت عن الفكر ، أو فصل الفكر عن الصوت ))