هل الإنسان حر حرية مطلقة أم أن هذا الشعور مجرد وهم والحرية لا وجود لها؟
هل الإنسان حر أم مقيد؟
هل الإنسان مخير أم مسير؟
زوار موقع” تفوقنا “الكرام نرحب بكم في موقعنا التعليمي والثقافي، ونطرح لكم من خلال هذة المقالة الجدليه:
طرح المشكلة:
يعتبر الإنسان ذلك الكائن العاقل والذي يسعى دائما إلى فهم ذاته وما يحيط بها ويحاول إدراك ما حوله للوصول إلى حريته فالحرية : هي القدرة على الاختيار بين ممكنين أو أكثر، وهي من الموضوعات التي يهدف إلى اكتسابها والتمتع بها، ولهذا اختلف الفلاسفة حول حرية الإنسان بين القائل إنه حر حرية مطلقة والقائل بأنه مقيد ومن هنا ولرفع التعارض والجدال بين الموقفين حق لنا أن نتساءل: هل الإنسان حر حرية مطلقة أم أن هذا الشعور مجرد وهم والحرية لا وجود لها؟ وبعبارة أخرى هل الإنسان مخير أم مسير؟
محاولة حل المشكلة:
الموقف الأول:
يرى أنصار الحرية وخاصة المعتزلة، برغسون وكانط بأن الإنسان حر في اختيار أفعاله التي يقوم بها، وقد اعتمدوا على عدة أدلة وبراهين حيث ترى المعتزلة بزعامة واصل بن عطاء أن الإنسان حر في سلوكه، وأفعاله، وتصرفاته هي نتيجة لاختياره التام ووعيه والدليل على ذلك عقلا انه لو كانت أفعال العباد من صنع الله كما تدعي الجبرية فلماذا يحاسبهم عليها يوم القيامة؟ كما انه لو كان الله هو الذي يخلق أفعال العباد ومنها الكفر والعصيان واللذان يستحقان العقوبة لكان كالذي لا يرضى عما عمل ويغضب مما خلق وهذا لا يقبله عاقل، يقول أبو الهذيل: "الإنسان يحس من نفسه وقوع الفعل فإذا أراد الحركة تحرك وإذا أراد السكون سكن"، ومعنى ذلك أن الأفعال التي يقوم بها الإنسان، إنما يمارسها بإرادته الحرة، وبالتالي فالإنسان مكلف ومسؤول عن أفعاله ونفس الرأي ذهب إليه "برغسون" الذي يعتقد أن الحرية هي عين ديمومة الذات، وليست موضوعا للتفكير وهي معطى مباشر للشعور، يقول "برغسون": حين أشعر بأفعالي تجري في نفسي متجددة أشعر في نفس اللحظة بأني حر"، كذلك "ديكارت" يرى" بان إرادة الإنسان تتمثل في الاختيار الحر المستقل عن العوائق الخارجية، وهذا ما تثبته التجربة النفسية، لأن كل فرد يشعر بأنه يتمتع بإرادة لا تحدها ،حدود إذ بإمكانه أن يقوم بأي فعل يراه مناسبا وفي هذا يقول "ديكارت": "الحرية" تقتضي الموازنة بين هذا الفعل وذاك، وتفضيل أحدهما على الآخر بناء على مبررات ذاتية"، أما "كانط" فهو الآخر يرى بان الإنسان له القدرة على الاختيار بين الخير والشر وبالتالي فهو حر لأننا لا نستطيع أن نصدر حكما أخلاقيا "بالخير" أو "الشر" على سلوكات الإنسان ما لم يكن حرا، لهذا فالواجب الأخلاقي دليل على حرية الإنسان لأنه لا قيمة لهذا الواجب إذا انعدمت الحرية، فيجب التسليم بوجودها من أجل تأسيس الأخلاق يقول كانط إذا كان يجب عليك فأنت إذن تستطيع " ، وبالتالي فالإنسان له القدرة على الاختيار.
هل الإنسان حر حرية مطلقة أم أن هذا الشعور مجرد وهم والحرية لا وجود لها؟
نقد لكن ورغم ما قدمه أنصار الحرية من حجج لتبرير موقفهم إلا أنهم قد بالغوا كثيرا لأنهم أكدوا حرية مطلقة للإنسان تتحدى قوانين الكون وهذا وهم وخيال لأنهم أهملوا الحتميات التي تتحكم في سلوك الإنسان فهو يخضع لظروف نفسية واجتماعية وبيولوجية... الخ.
الموقف الثاني:
يرى نفات الحرية وهم أنصار "الجبر" وخاصة "الجهمية" وأنصار "الحتمية" بأن الإنسان مقيد ولا يمتلك حرية وقد برهنوا على موقفهم بعدة حجج أهمها: اذ يؤكد أنصار الجبر بأن الإنسان مجبر على القيام بأفعاله وبالتالي فهو غير مسؤول لأن غياب الشرط (الحرية) يؤدي إلى غياب المشروط (المسؤولية) ومن بينهم: "الجهمية (الجبرية) بزعامة جهم بن صفوان الذي يؤكد على أن الإنسان يخضع للقدرة الإلهية (القضاء والقدر) فالله عز وجل قد خلق الإنسان وحدد أفعاله وسلوكاته بقدرته الكلية المطلقة لان قدرة الله تستوجب نفي القدرة والإرادة على الإنسان، وقد اعتمد الجهمية على أدلة منها أن الله وحده الخالق ولا يجب أن يكون هناك خالق غيره، وأن الثواب والعقاب قضاء وقدر، كما أن الأفعال تنسب إلى الإنسان على سبيل المجاز لا الحقيقة كما تنسب الأفعال إلى سائر الجمادات يقول جهم بن صفوان: "إنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله وحده وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على سبيل المجاز"، كما يرى أيضا عدد من الفلاسفة من أنصار الحتمية وخاصة "فرويد" و"دوركايم" بأن الإنسان يخضع لحتمية في حياته اليومية (الضرورات) وبالتالي فهو مقيد وغير مسؤول عن أفعاله وأهم تلك الحتميات الحتمية الطبيعية (الفيزيائية) والتي تتمثل في أن الإنسان يعيش في وسط طبيعي ينطوي على ظواهر وقوانين طبيعية كالجاذبية والحرارة والبرودة والرياح وتعاقب الليل والنهار.... لهذا فهو يخضع بالضرورة لهذه الظروف الطبيعية يسري عليه ما يسري على جميع الأجسام الأخرى. كذلك الحتمية الاجتماعية حيث يؤكد بعض علماء الاجتماع وخاصة "دوركايم" بأن سلوكات الإنسان خاضعة لشروط وحتميات اجتماعية لأن أفكار الفرد وثقافته وعاداته ولغته ودينه وأخلاقه.... مكتسبة من الوسط الاجتماعي، يقول دوركايم: "المجتمع ليس سلطة أخلاقية فحسب بل هو النموذج والمصدر الوحيد لكل سلطة أخلاقية"، إضافة إلى الحتمية النفسية من خلال تأكيد بعض علماء النفس وخاصة "فرويد" على أن سلوك الإنسان يخضع لشروط نفسية تتمثل في الدوافع والميول والرغبات والأهواء اللاشعورية المكبوتة أي التي تؤثر فيه دون أن يعي ذلك.
نقد:
صحيح ما أدلى به أنصار الجبرية والحتميات لكنهم قد بالغوا كثيرا عندما نفوا نفيا مطلقا حرية الإنسان، أي أن الاعتقاد بالقيد المطلق إنكار مجحف لحرية الإنسان، ويتناقض مع التكاليف الشرعية المبنية على الوعي والحرية فالإنسان المكلف شرعا هو الإنسان الواعي والحر العاقل، كما أن الإيمان بالجبر يؤدي إلى الاستسلام والخضوع والكسل والركون إلى القضاء والقدر، فإذا كان ما يحدث بالضرورة فما الفائدة من بذل الجهد؟
التركيب: نستنتج أن الإنسان ليس حرا دائما وليس مقيدا دائما بل هو وسط بينهما ولذا ترى الأشاعرة بزعامة أبو الحسن الأشعري أن أفعال الإنسان الله خلقا وإبداعا، وإنها للإنسان كسبا ووقوعا، وبالتالي فان أفعال العباد تتم بالمشاركة بين الله وعباده لهذا فالفعل ينسب إلى فاعلين الله والعبد، فالله له إتقان الفعل والاستطاعة أي القدرة أما الإرادة التي تختار فعلا من عدة أفعال ممكنة فهي للعبد بشروط. وحسب رأيي أن الإنسان مقيد بعدة حتميات ولكن أيضا له القدرة على التحرر والدليل على ذلك أن الإنسان المعاصر تمكن بواسطة العلم والتقنية أن يكتشف مختلف القوانين التي تتحكم في الظواهر الطبيعية والبيولوجية والإنسانية، وبالتالي مارس عملية التحرر يقول انجلز: "ولكن من المؤكد أن كل خطوة خطاها في سبيل الحضارة لم تكن سوى مرحلة من مراحل تحرره...".
حل المشكلة:
ختاما ومما سبق يمكننا القول بان الحرية تبقى من أعقد المشكلات الفلسفية لان القول بأنها مطلقة مبالغ فيه لهذا فهي نسبية ما دام الفرد كلما يتحرر من حتمية إلا ويجد نفسه أمام حتمية أخرى، كما أن التسليم بأنها مجرد وهم هو نفي للوجود الفردي من جهة أخرى.