إجابة مقالة: هل العدالة بين الحق والواجب؟
الأسئلة المحتملة للمقال:
هل العدالة تقوم على أسبقية الحق أم الواجب؟
هل الحق أهم من الواجب في العدالة؟
هل يوجد سبق للحق قبل الواجب؟
قيل إن الواجبات في سبب العدالة ؟
- مقدمة
من أجل بقاء الإنسان واستمرار نسله كان يسعى دائما إلى تنظيم حياته من هذا حاول استعمال جملة من المقومات الإنسانية منها العدالة، هذه الأخيرة التي كانت دائما تثير الاهتمام بسبب أهميتها وقيمتها الحياتية، وهذا لكونها نموذج ينظم العلاقات ويضع كل إنسان في مكانه أي أنها مقياس ومعيار المعالات والتنظيمات لهذا عرفت على أنها الموازنة بين العمل و الاستحقاق ولكن حولها وقع جدل لأن الفلسفة تبعث من رحم الجدل فأعتقد بعضهم أن الحق أسبق من الواجب أي أن الحق أهم في تأسيس معنى العدالة، ولكن ظهر رأي كان يعتقد أنها قائمة على الواجب أي أن الواجب أهم وأعظم ويجب أن يسبقه، ومن خلال هذه الجدلية يمكن أن تتساءل هل العدالة قائمة على الحق أو الواجب؟، وبصغة أخرى: هل تقدم.الواجبات أو الحقوق ؟
الموقف الأول:
يرى أصحاب الموقف الأول أن الحقوق أسبق من الواجبات أي أننا نأخذ ثم نعطي وهذا يعنى أن تطبيق العدالة والتعبير عنها والشعور بها من طرف الأفراد في الواقع، لا يكون إلا بتقديم الحقوق والمكاسب الأساسية لكل فرد على الواجبات التي يلتزمون بها، ومعنى ذلك أنه قبل مطالبة الأفراد بأداء الواجبات علينا قبل كل شيء أن نمكنهم من حقوقهم أولا وبالتالي المطالبة بالحقوق تشكل صميم العدالة وقاعدة لكل تشريع بجسد العدل، وهذا الرأي مثله سقراط لما قال: «العدالة في إعطاء كل لقدس والمقصود بهذا أن الدولة لما توفر الحقوق يحدث العدل أي أن الواجبات ستكون نتيجة، بسمة وفاصلة لهذه الحقوق المعطاة. ونجد في العصر الإسلامي فرقة إخوان الصفا وخلان الوفاء تعتقد أن الحقوق في جوهر العدالة، وهذا لما أمنت بأن الدولة التي تقوم على اضطهاد شعبها هي دولة منتهكة للعدالة، لهذا كانت هذه الفرقة تحاول أن تلزم الحكام بصون الحقوق، بدل انتهاك حقوقهم واستغلالهم، من بين هذه الحقوق مبدأ صون الحريات أي محارية العبودية، ثم حق رفع الخراج والضريبة التي تنهك الضعفاء منهم، ثم حق المشاركة في قرارات الدولة وحق تقلد مراتب سامية في الدولة حسب الكفاءة، وحق التعلم العلم الشرعي هكذا لا يمكن أن تؤسس العدالة على واجبات محطمة للعدل ومهدمة المواطن الذي يعيش تحت هذه السلطة.
كما أننا تجد كذلك فلاسفة القانون الطبيعي أو أنصار النزعة الإنسانية الذين كان لهم دور في صياغة نظرية العقد الاجتماعي وعلى رأسهم جون لوك، وجون جاك روسو، حيث أكد هؤلاء على ضرورة تقديم الحق على الواجب وأن سلطة الدولة مقيدة بضمان وحماية الحقوق الفردية ذلك أن اصل الحقوق هي الحقوق الطبيعية المرتبطة بالوجود الإنساني وملازمة للطبيعة البشرية كحاجات ضرورية مقررة لابد منها ولا يمكن الاستغناء عنها كالحق في الحياة الحق في الحرية ، الحق في التفكير ....... وهي حقوق لا تستقيم الحياة الإنسانية بدونها وهذا يعني أن الإنسان يكتسب حقوقه كمعطيات طبيعية، ثم بعد ذلك يكون الحديث عن الواجبات والالتزامات الحياتية لكون الحق الطبيعي مرتبط بالقانون الطبيعي والواجب مرتبط بالقانون الوضعي وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الحق أسبق وأولى من الواجب من الناحية التاريخية لهذا عرفت العدالة على أنها حقوق طبيعية مسبقة لا يمكن العيش من دونها أي الحق هو كل العدل.
كما يرى فلاسفة القانون الوضعي والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان بأنه يجب الاهتمام بالحقوق على الواجبات، حيث نجد الثورات الحديثة كالثورة | الأمريكية والثورة الفرنسية اللتان كان لهما الأثر البالغ على حقوق الإنسان، فالثورة - الفرنسية نادت بمجموعة من الحقوق كحق الحرية، وحق الملكية، حيث جاء في الإعلان لحقوق الإنسان والمواطن الصادر سنة 1789: هدف كل جماعة سياسية هو المحافظة على حقوق الإنسان الطبيعية التي لا يمكن أن تسقط عنه وهذه الحقوق هي الحربة والملكية والأمن ومقاومة الاضطهادي ولقد جاء في أول إعلان أمريكي لحقوق الإنسان والذي صدر في فرجينيا في ) جانفي 1776: إن جميع الناس قد خلفوا أحرارا متساوين ومستقلين بولهم حقوق موروثة لا يجوز لهم عند دخولهم في حياة المجتمع أن يتفقوا على حرمات خلفائهم منها أي أن الحقوق الطبيعية كالحرية والتفكير والدين واقامة الشعائر سواء سرا أو جهرا سابقة للمواجب» وكذا الهيئة الدولية الممثلة في الأمم المتحدة التي أصدرت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أعطت أولوية حقوق الإنسان على واجبات الأفراد، حيث جاء في مادته الأولى ما يلي: بولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق وقد وهبوا عقلا وعليهم أن يعامل بعضهم بعضا بروح الإخاء دون أي تميز» وهذا الاهتمام الدولي دليل على قيمة الحق في العدالة وما نصل إليه من خلال تحليلنا لهذا الموقف أن الحق معطى طبيعي ومكسب قانوني وهذا ما يخول أولويته وأسبقيته على الواجب، وبالتالي لا توجد عدالة حيث لا يوجد حق.
نقد الموقف الأول:
لا يمكن أن تتكر القدر الذي وفق فيه أصحاب هذا الرأي لكن هذا الموقف يعتقد أن العدالة نقوم على الحق وتناسى أن المطالبة بالحقوق تجعل المجتمع ضعيف وخامل ومطالب فقط، أي لا يستطيع أن يقدم أي واجب ينفعه، هذا ما يؤدي إلى اختلال توازن الحياة، لأن الشعوب قد تتخذ المطالبة بالحقوق كذريعة للخمول والتوقف عن الإنتاج، كما أن هذه الحقوق حتى ولو توفرت ستعيق تحقيق العدالة، لأنها كثيراً ما تكون الحقوق للأقوياء بدل الضعفاء، أي أنها تزيد في الفروق الاجتماعية بدل تحقيق العدل، لم كيف نفسر الهيمنة الاستعمارية من الأطراف التي تدعى حماية حقوق الإنسان، فالشعوب التي خضعت إلى الاستعمار وما تبعه من تخلف اجتماعي وتعطل في التنمية أليس من حقها المساعدة ؟ وأخذ حقها؟ من هنا يظهر أن هذه الحقوق مجرد شعارات فقط.
الموقف الثاني: هذا ما أدى إلى ظهور موقف كان يقول بعكس الأول ويعتقد أن الواجب أسبق من الحق حيث أن الواجب هو معيار العدالة وأساس بناء المجتمعات وتمسكها، لأن المصلحة ذاتية وبمثل هذا الاتجاه.
أفلاطون الذي قسم المجتمع إلى ثلاث طبقات الأولى هى طبقة العبيد والتي تتصف بالضعف البدني والعقلي وواجبها هو خدمة الأمة.
أما الطبقة الثانية هي طبقة الجنود وتصف بالقوة البدنية فقط وواجبها الدفاع عن مصالح الدولة.
أما الطبقة الثالث هي:طبقة الحكام وتتصف بالقوة العاقلة والبدنية وواجبها تسيير شؤون الدولة، ومن هنا وجب على كل طبقة التمسك بواجباتها فقط ولا يمكنها أن تبحث عن حقوق إلا إذا جاءت لوحدها.
أما الفلسفة العقلية فإنها تضع الواجبات في المقام الأول ولا تعير أي اهتمام بالحقوق لأن الواجب مطلب عقلي فتجد الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط الذي أسس مذهبه على أساس الواجب من أجل الواجب فيقول: «شينان ملان النفس اعجابا السماء المرصعة بالنجوم فوق رأسي، والضمير الخلفي الذي يسرى في صدري ويقصد هنا أنه يوجد تشابه بين النجوم الجميلة ذات المرتبة العالية والضمير الخلفي، كما أنه يقول كذلك: «إن الالتزام بالواجب الأخلاقي مقتضى عقلي، وهذا ما يجعل من الإدارة الخيرة سمار لكل تشريح»، من هنا فإن القيمة الخلقية مصدر كل فعل، فأنت عندما تقوم بعمل في نظر كانط من اجل الحصول على منفعة لا يعد فعلا أخلاقيا لأن الفعل الأخلاقي هو الذي يقوم به صاحبه من أجل الواجب المنزه عن كل غاية ومنفعة، فالصانع يجب أن يتقن عمله بغض النظر عن ثناء الناس، وهكذا تصبح الواجبات هي محرك العدالة أما الحقوق فستكون نتيجة فقط فكلما قمنا بواجبات أكثر كلما أخذنا حقوق أوسع.
أما فلاسفة الوضعية يؤكدون أن الواجب ضرورة واقعية إذ يبرهن أوغست كونت على هذا في قوله: «ليس للفرد حقوق بل عليه واجبات وهذا ما يثبته الواقع والحياة الواقعية من اليومية إذ نجد الإنسان الذي يقوم بواجبه ويضحى أكثر نجاحاً وتقدماً من غيره ليقول كذلك لو قام الكل بواجبه لتحققت جميع الحقوق»، فهو ينطلق من فكرة الواجب دون إخضاعها لأي نقد خاص، فالواجب عنده هو القاعدة التي يعمل بمقتضاها الفرد وتفرضها العاطفة والعقل معا، ففكرة الحق عنده يجب أن تستبعد من القاموس الإنساني، لأن المطالبة بالحقوق تفتح الباب إما للثروات، والاستغلال والأنانية، وبما أن الإنسان كائن مدني فإن القيام بالواجب أولى - من المطالبة بالحقوق، وحياة الناجحين دليل على هذا لأنهم ينطلقون من التضحية والقيام بالواجب بدل المطالبة والركود.
الموقف نفسه ذهب إليه عالم الاجتماع الفرنسي دوركايم حيث أعتقد أن العدالة بالنسبة له لا تتحقق إلا بالالتزام بالواجب الاجتماعي، فالفرد ملزم بتطبيق الواجبات التي نصت عليها القوانين الوضعية، والعادات والتقاليد الاجتماعية والأعراف الأسرية، فيصبح ملزم باحترام قوانين الدولة كواجبات قصوى، وكذا ملزم بواجبات تجاه الوالدين وأماكن التعليم والعبادة، والجيران والأصدقاء دون المطالبة بالحقوق ودون أخذ أي مقابل وهذا ما يجعل العدالة الحقة في الالتزام بهذه الواجبات الجماعية ويقول دوركايم: «الواجبات الجماعية هي من تحدد معنى العدالة العام وهي من تسمح للفرد بتحقيقها».
نقد الموقف الثاني:
لا يمكن أن ننكر القدر الذي وفق فيه أصحاب هذا الرأي لكن هذا الموقف يعتقد أن العدالة قائمة على الواجب وتناسى أن هذا الواجب كثيراً ما كان ذريعة للاستغلال والسيطرة على حقوق الناس خاصة الضعفاء منهم وهذا لأن عدالة الواجب كثيراً ما كانت عدالة تكليف وعدالة تعدي، والتاريخ يثبت أن معظم الثورات ومعظم الحروب قامت تحت ذريعة الواجب أي هذا المفهوم كان سبب موت الكثير من الناس لهذا فلا يمكنه أن يكون نموذج للعدالة، كما أن الواقع يثبت كذلك أنه لا يوجد أي تشريع أو قانون يلزم الإنسان للعمل بدون مقابل.
تركيب: توفيق.
وكتركيب للمقال يمكن القول أن العدالة لا تقبل وجهاً واحداً أو طريقة واحدة بل تأخذ وجهاً وحضوراً وسطاً يكون من خلاله التركيب قائم على الحق إذا راعى هذا العامل الحقوق لكنه قام كذلك على وجه الواجبات لهذا فهي ليست من الحقوق دائما وتماما، وليست من الواجبات دائما وتماما، وهذا التوسط التركيبي ظهر من خلال الرأي الذي اعتقد أن العدالة هي الظاهرة التي تحترم الحقوق وتراعي أصحابها دون حثهم على الخمول أو التقاعس، فهي من هنا عبارة عن موازنة دقيقة بين الحق والواجب أي لا إفراط ولا تفريط، حتى يستطيع الإنسان أن يكون متوسط بين حقوق مهمة وواجبات أهم، وكلما كان هناك تقارب بينهما كلما كانت عدالة دقيقة، وهذا، الموقف التركيبي ظهر في الحديث الشريف وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال : أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرله» وهكذا فهو يتوسط الرابين ويأخذ بالأطروحتين ولا ينفي أي منها.
حل الإشكالية (خاتمة):
واخيرا نستنتج أن العدالة ليست ظاهرة حق دائما لأنه يوجد لها جانب من الواجبات يتجلى في بحث الإنسان عن الأعمال والعطاءات لما يقدم عمل وجهد واجتهاد معين أو التزام يجعله يعطي إضافه لكن هذا لا يعني أنها قائمة على الواجب دائما بل توجد حالات يمكن أن تكون فيها قائمة على الحق ويتجلى في تلك الأمور التي يأخذها الإنسان كحقوق يتمتع بها فتكون حوافز له حتى يقوم بعمله وبهذا فالحق والواجب يجتمعان كعاملين يكمل أحدهما الآخر وينفي التناقض الواضح بينهما، بل يحتم على الناس الأخذ بهما حتى يحدث التوازن ومثال ذلك أن العامل الذي ينال حقه يصبح أكثر قدرة على العمل وتقديم واجبه وفي هذا يقول عابد الجابري : « الأسم التي تنجح في المزاوجة بين الحقوق والواجبات هي الأمم التي تستطيع أن تحقق العدالة، ويقصد ضرورة مراعاة الأطروحتين دون نفي لواحدة على أخرى.