مقالة هل التجربة معيار العلم؟
مقالة هل التجربة هي المقياس الاساسي الذي يجعل العلم علما؟
هل التجربة هي مقياس العلم؟ هل تحديد علمية الدراسات والبحوث تقوم على المقياس التجريبي أم هناك مقاييس أخرى؟
طرح المشكلة: إن العلوم الطبيعية بصفة عامة سواء كانت علوم المادة الجامدة أو علوم المادة الحية فإنها لا تخرج عن نطاق الأشياء الحسية الواقعية، فهي تبتدئ منها وتنتهي إليها لأنها تهديل إلى معرفة كيفية حدوث الظواهر واكتشاف عللها التي تحكمها؛ لذلك فهي علوم قائمة كلها على ملاحظة الحوادث الطبيعية واستقراء الواقع؛ من هنا ظهر المنهج التجريبي الذي يعتمد على التجربة كمبدأ أساسي للدراسة واعتبارها المقياس الأساسي للعلمية والحكم على قيمة العلوم. الكن فلاسفة العلوم والعلماء اختلفوا حول مقاييس العلم، فمنهم من يرى أن التجربة هي المقياس الأساسي لجعل العلم علما ومنهم من يرى أنها ليست مقياسا ضروريا بل هناك مقاييس منطقية استنتاجيه أخرى، ومن هنا تساءل: هل المنهج التجريبي معيار ضروري لتحديد علمية الدراسة أم يمكن الاعتماد على مقاييس أخرى إحصائية واستنتاجيه ؟
محاولة حل المشكلة:
عرض منطق الأطروحة يؤكد أنصار هذا الاتجاه أن التجربة هي المعيار الأساسي الذي يحدد علمية العلم والبحوث والدراسات، وهي الشرط الضروري الذي لا يد منه لأنها تحتل موقفا محوريا في المنهج التجريبي وهذا لم يتحقق إلا بعد انفصال العلم وعن الفلسفة من حيث الموضوع والمنهج على يد رواد المنهج التجريبي وهم: جون لوك جون ستیوارت ،David Home 1776-1711( دافيد هيوم John Locke )1632-1704م John Stuart-Mill 1873-1806 ميل الجمع والب المين وقد برروا موفقهم بالحجج التالية: يتضمن المنهج التجريبي عددا من الخطوات أهمها ملاحظة المشكلة أو الظاهرة موضوع الاهتمام، وتعرف أبعادها وأسبابها على شكل فرضيات قابلة للاختبار ومبنية على أسس نظرية قوية، ومن ثم وضع تصميم للتجربة. ونوعها ومكان إجرائها، إذ تعتبر التجربة عملية محورية في المنهج التجريبي إذ لا معنى للملاحظة العلمية وحدها ولا معنى للفرضية في حد ذاتها فالتجربة هي التي تستوعب نتائج الخطوتين السابقتين وتتوجهها باكتشاف العلاقات الثابتة بين الظواهر بالتالي القوانين التي تتحكم فيها مثال ذلك تجارب العالم الفلكي والفيزيائي والفيلسوف الإيطالي غاليليو غاليلي 1564 1642م) Galileo Galilei حول سقوط الأجسام واستنتج أن جميع الأجسام على سطح الكرة الأرضية تقع تحت تأثير القوى نفسها التي تجذبها إلى أسفل، وبالتالي فإن سرعة الجسم الساقط، وليس مسار الجسم تتناسب مع زمن السقوط (مع إهمال تأثير الهواء)، واستخدم غاليلي تجربة إلقاء كرات تتدحرج على سطح مائل.
لم يصبح العلم علما إلا بعد انفصاله عن الدراسات الفلسفية والمسائل الميتافيزيقية والأحكام الذاتية واعتماده من ثمة على خطوات إجرائية محددة (الملاحظة والفرضية والتجربة والقانون)، وقد عبر الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت (1798 - 1857م) Auguste Comte عن تطور الفكر البشري من خلال ما أسماء قانون الحالات الثلاث، فقد من الفكر البشري حسبه بثلاث مراحل:
المرحلة اللاهوتية (الدينية) : التي تعلل الأشياء والظواهر بكائنات وقوى غيبية تفسير أن سبب الطاعون في القرون الوسطى هو لعنة الآلة وغضبها على البشر.
المرحلة الميتافيزيقية: التي تعتمد على الإدراك المجرد، (ذاتية الإنسان والوهم). كتصور أن سبب الطاعون هو اللعنة والسحر المسلط من قبل المشعوذات.
المرحلة الوضعية (العلمية) : التي يتوقف فيها الفكر عن تعليل الظواهر بالرجوع إلى المبادئ الأولى ويكتفي باكتشاف القوانين التي تعبر عن علاقات الأشياء والظواهر عن طريق الملاحظة والتجربة الحسية، كتفسير أن سبب الطاعون هو كائنات دقيقة جدا تنتقل من الجرفان تسمى البكتيريا والجراثيم وهي قابلة للانتقال أيضا بالهواء أو من فضلات الإنسان.
إن التجربة بموقعها العملي تسمح بتكرار الحوادث للتأكد منها ووسيلة حاسمة لقياس بعض الظواهر وتسجيل علاقاتها وفرصة لإحداث مركبات جديدة وإبداعية وكل هذا يجعل من التجربة هي مقياس العلم والحكم الأساسي على علمية أي بحث أو دراسة وهذا ما أدى الى النساع مفهوم التجربة وتنوع مجال استعمالها نتيجة تنوع ميادين البحث والمعرفة وكل هذا اقتضى الاستخدام المرن للتجربة فقد أظهر العالم الكيميائي الفرنسي وأحد مؤسسي علم الأحياء الدقيقة الفرنسي لويس باستور (1822-1895م) Lonis Pasteur أن سبب عملية التخمر هو الكائنات الحية الدقيقة وأن النمو الناشئ للبكتيريا في سوائل المواد الغذائية لا يعود إلى التوالد الذاتي وإنها إلى النشوء الحيوي خارج الجسم، وأن نمو الكائنات الدقيقة هو المسؤول عن إفساد المشروبات مثل النبيذ والبيرة والحليب.
بالإضافة إلى أنه أوجد عملية يتم فيها تسخين السوائل مثل الحليب للقضاء على معظم البكتيريا والعفن الموجود داخله حيث أنجز باستور مع كلود برنار (1816-1887) Claude Bernard سنة 1862م تجربة علمية مهمة، سميت باسم البسترة Pasteurisation وهي مكتوبة اليوم على كل أكياس الحليب في العالم أجمع؛ لهذا قال غاستون باشلار (1884-1962م) Gaston Bachelard: «إن عمر العلم يقاس بمدى تطور الوسائل التجريبية المستعملة لاكتسابه».
يؤكد الطبيب الفرنسي كلود برنار أن التجربة هي المعيار الذي يفصل بين الأبحاث العلمية والأبحاث اللاعلمية حيث يقول: إن التجريب هو الوسيلة الوحيدة التي تملكها التتطلع على طبيعة الأشياء التي هي خارجة عنا».
النقد والمناقشة: لكن بالرغم مما قدمته التجربة من نتائج ايجابية واكتشاف العديد من القوانين العلمية، إلا أنها لا تستطيع أن ترتقي إلى مستوى ضمان النتائج وإثبات اليقين فيها، فتتائجها تحمل طابع النسبية والاحتمال فالاستدلال التجريبي يبقى دائما نسبيا ومؤقتا لأنه يمثل علاقات متشعبة هو ليس متيقنا من الإحاطة بها جميعا، إذ يجد العالم صعوبة في المواضيع الاجتماعية وذلك بسبب الطبيعة المميزة للإنسان فهناك عوامل إنسانية كثيرة تؤثر على التجربة وتصعب التحكم فيها وضبطها مثل إرادة الإنسان وتأثير الميول والعواطف على أحكامه... ومن ناحية أخرى فالمقياس التجريبي غير ممكن في كثير من الميادين المعرفية وهذا نتيجة اختلاف طبيعة الموضوعات وخصائصها مما يفرض وجود مقاييس أخرى لتحديد علمية العلم وقياس قيمته. بالإضافة إلى و وجود الكثير من القوانين والتقاليد التي تقف عقبة في وجه إخضاع الكائنات الإنسانية للبحث التجريبي مثل تحريم التشريح أو الإستنساخ.
عرض نقيض الأطروحة:
في المقابل يرى أنصار النزعة العقلية أن التجربة ليست هي المقياس الوحيد والضروري التأسيس العلم والبرهنة على شرط العلمية، ويرون أن العقل هو الذي يؤسس العلم وأهم هؤلاء نجد العالم الرياضي والفيلسوف الفرنسي هنري بوانكاري (1854-1912م) Henri Poincar الجمع والبراهمين وقد برروا موقفهم بالحجج التالية: أنه لا يمكن التنبؤ بالمستقبل دائما لأن المنهج التجريبي يقوم على استقراء غير شامل (ناقص) للظواهر الطبيعية فنتائج الاستقراء تفيد الشك والاحتمال لأن الباحث ينطلق من الحكم على الجزء وتعميم ذلك الحكم على الكل وهذا غير ممكن لأن اليقين نجده فقط في العلوم الصورية كالرياضيات.
قصور وضعف أدوات البحث في إجراء التجارب فهي غير مضمونة اليقين في النتائج فقد يشكل عدم توافر الأدوات والأجهزة الدقيقة نوعا من الصعوبة في إجراءات البحث مما يؤدي إلى وجود أخطاء في القياسات، زيادة على مفاجآت التجربة وتحولاتها لأنها مجرد تصور عملي احتمالي تقريبي لفهم الظواهر الطبيعية.
عدم تماشي الطريقة التجريبية مع طبيعة بعض المواضيع وتطبيق التجربة في مفهومها الضيق على علوم مختلفة حيث يقول هنري بوانكاري انستطيع أن تسأل الطبيعة دائما، لكنها لا تجيب، بل نحن نجيب بدهاء، ويقول أيضا: إن الحوادث تتقدم إلى الفكر بدون رابطة إلى لا يجيء الفكر المبدع؛ فكما أن كومة الحجارة ليست بيتا كذلك اجتماع الحوادث دون ترتيب ليس علماء من هنا نجد الدراسات المتعلقة بمناهج العلوم تؤكد أن البرهنة على الحقائق وإثبات علميتها تقبل أكثر من مقياس بحسب طبيعة الموضوع المدروس فالقضايا الرياضية مثلا والبرهنة عليها تعتمد المقياس الاستنتاجي الصوري وهي تحقق نتائج قمة في الدقة واليقين بالتالي إثبات العلمية وقيمة النتائج بل حتى صارت العلوم التي تعتمد المقياس التجريبي تتطلع إلى استخدام الرياضيات طمعا في تحقيق الدقة، والأكثر من هذا أنه لا علم إلا إذا عبر عن نتائجه بصيغ رياضية وتحويل الكيفيات إلى كميات ومقادير قابلة للقياس.
من ناحية أخرى نجد أن الدراسة في الظواهر الاجتماعية والنفسية، والاقتصادية والسياسية والإدارية تتخذ لإثبات حقائقها علميا المنهج الإحصائي الذي يعتمد على جمع المعلومات والبيانات وتنظيمها وتبويبها وعرضها في رسوم بيانية أو على شكل جداول ثم تحليلها رياضيا واستخلاص النتائج منها والعمل على تفسيرها (فالمنهج الإحصائي يعتمد على لغة الأرقام والكم).
وهو يقوم على عدة خطوات أهمها: جمع البيانات والمعلومات الإحصائية عن الموضوع. ثم عرض هذه البيانات بشكل منظم، ثم تحليل البيانات وتفسيرها من خلال ما تعنيه الأرقام المجمعة من نتائج، ويمكن استخدام الحاسوب في تحليل الأرقام الإحصائية المجمعة من أجل تأمين السرعة والدقة المطلوبة، ويستخدم في عدة مجالات مثل تحديد نسبة النمو الاقتصادي ونسبة البطالة أو نسبة الولادات في منطقة معينة وهناك أيضا المنهج المقارن المستخدم في العلوم الإنسانية والاجتماعية الذي يعتمد على المقارنة في دراسة الظواهر حيث تبرز أوجه الشبه وأوجه الاختلاف فيها بين ظاهرتين أو أكثر مثال ذلك مقارنة نظامين اقتصاديين المعرفة أيهما أفضل للتطبيق في دولة ما.
وهناك أيضا المنهج الانثروبولوجي (الأنثروبولوجيا هي علم الإنسان الذي يدرس الإنسان وأجداده وأصوله منذ أقدم العصور والأزمنة حتى يومنا هذا ويهتم بالمجتمعات الإنسانية ووسائل الاتصال بينها وكل ما تنتجه)، ويقوم هذا المنهج على أساس الملاحظة الميدانية، فيختار الباحث قبيلة أو مجتمعا كقبيلة الماساي مثلا في إفريقيا أو المجتمع الصيني الضخم في محاولة لتفهم القافاتهم أو تقاليدهم عن طريق دراسة قوامها الإنسان نفسه، من خلال ملاحظة مساكنهم وملابسهم وأدواتهم ونظام العائلة والقرابة والنظام الاقتصاد والمعتقدات والطقوس الدينية واللغة المستخدمة، والسحر ومختلف أشكال الإبداع الفني وكثيرا ما تقوم الدول المستعمرة بإتباع هذا المنهج الدراسة ثقافات الشعوب التي تقوم باستعمارها، وما يترتب عليه من نتائج موضوعية وكل هذا يؤكد أن مقياس العلمية ليس رهين المعيار التجريبي فقط.
النقد والمناقشة: لكن تعدد مقاييس إثبات العلمية لا يعني الانتقاص من قيمة المقياس التجريبي وما يحققه من دقة وإبداع في النتائج، كما أنه يبقى المقياس الأكثر استعمالا والأوسع انتشارا بين مختلف العلوم مما يدل على فعاليته ونجاعته العلمية. فالمقياس الإحصائي مثلا به الكثير من العيوب منها إمكانية الاعتماد على المعلومات والبيانات الخاطئة، إضافة إلى تحيز الباحث في جمع المعلومات من مصادر معينة. وبالنسبة إلى المقياس الاستنتاجي المستخدم في الرياضيات فإنه يفقد دقته ومطلقيته عندما يرتبط بموضوعات واقعية حسية ويقع في التقريبات والنسبية مثال ذلك العدد * فإنه نظريا دقيق لكنه عمليا عندما نقسم 22 على 7 فإن الحاصل ليس 3.14 بدقة بدليل أن 763.14 لا تساوي 22 بدقة.
إن المقياس الإستنتاجي الرياضي لا يمكن أن نصفه بالدقة والمطلقية لأن الهندسة الكلاسيكية الاقليدية التي كانت حتى القرن التاسع عشر مأخوذة كحقيقة مطلقة تغيرت بدليل تعدد الهندسات اللا اقليدية مما يعني أنها مجرد افتراضات تهتم بالانسجام المنطقي بين أجزائها فقط.
التركيب:
إن مقياس العلمية وتحديد قيمة العلم ونتائجه ليس واحدا في جميع ميادين الدراسة العلمية لأن طبيعة الموضوع هي التي تحدد المقياس الذي يتلاءم معه ويثبت حقائقه العلمية لهذا فالمقياس التجريبي لازم وضروري كمنهج للعمل ومبدأ للحكم على العلمية في العلوم والموضوعات التي تتناسب معه لكنه ليس لازما في ميادين أخرى لا تتفق في طبيعتها مع النموذج التجريبي ولكن مع ذلك لها مقايسها التي تثبت بها علميتها والاختلاف بين هذه المقاييس يبقى في درجة الدقة واليقين.
الرأي الشخصي: بالنسبة لي التجربة ليست المقياس الوحيد الذي يحدد علمية العلم لأن الظواهر الطبيعية أو عالم الأشياء الحسية متغير ونسبي بالتالي فالنتائج المتحصل عليها عن طريق المنهج التجريبي متغيرة ونسبية كما أن التجريب غير ممكن في بعض الحالات كحالة عالم الفلك فهو عاجز عن اصطناع ظاهرة الكسوف مثلا وأيضا في علم البيولوجيا التجريب أحيانا غير ممكن لأن بعض الديانات تحرم تشريح الإنسان. لذلك توجد معايير أخرى مثل المعيار الانثروبولوجي الذي يهتم بدراسة المجتمعات الإنسانية ومن أمثلة ذلك الدراسات التي تخصصت في ملاحظة المهاجرين الأوروبيين والصينيين واليابانيين الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة الأمريكية ويعيشون في مجتمعات شبه مغلقة يحتفظون فيها بلغاتهم الأصلية وعادات أوطانهم الأولى.
حل المشكلة:
نستنتج في الأخير أن المقياس التجريبي مبدأ ومعيار يتناسب مع طبيعة الظواهر الحسية الواقعية برغم ما بينها من اختلاف؛ فهو يحدد علميتها وقيمة الدراية والمعرفة فيها لكنه ليس مقياسا لازما وعاما لكل ميادين وحقول المعرفة الإنسانية، يقول جابر بن حيان من كان مجربا كان عالما حقا.