في تصنيف تعليم بواسطة (1.4مليون نقاط)
عُدل بواسطة

مقالة درس الذاكرة والخيال شعبة آداب وفلسفة؟

مقالة شروط وعوامل الإبداع

درس الذاكرة والخيال. 

موجهة لتلاميذ البكالوريا شعبة آداب وفلسفة.

طرح المشكلة: 

من طبيعة الكائن البشري التكيف مع محيطه وعالمه الخارجي ، ولذلك فإن حالاته النفسية وقدراته العقلية تدفعه للتجديد المستمر بغية مواكبة جميع المواقف الطارئة ، وهذا ما ينطوي تحت ما يعرف بالتخيل الإبداعي أو الإبداع ، لذا حسب أندريه لالاند فإن : " التخيل ملكة التركيب لشيء لا واقعي ولا هو موجود " . وقد اختلف الفلاسفة وعلماء الاجتماع حول شروط وعوامل الإبداع، فمنهم من اعتقد أن عملية الإبداع تعود إلى شروط و عوامل ذاتية ، أي هنالك شروط وصفات لابد أن تتوفر في الذات المبدعة ، ومنهم من اعتقد بأن العملية الإبداعية تخضع إلى شروط تحددها البيئة الاجتماعية بالدرجة الأولى ، أي أن المجتمع له الدور الأبرز في تفجير الطاقات الإبداعية ، ومن هنا وجب طرح الإشكالية التالية : 

هل الإبداع ذات طابع فردي أم إجتماعي ؟

محاولة حل المشكلة :

الأطروحة ( الموقف الأول ) :

الإبداع ظاهرة فردية خالصة توجد لدى بعض الأفراد دون غيرهم ، فالمبدع يمتلك مجموعة من الصفات والشروط تميزه عن باقي الناس ، وهذا ما أكده كل من نيوتن ، فروید ، برغسون ، ديموسييه ، فالعباقرة الذين كانوا وراء التغيرات الحادثة في تاريخ الفكر يتميزون بخصائص نفسية وقدرات عقلية تمكنهم من وعي المشاكل القائمة ، ويمكننا أن نجمل تلك الشروط النفسية في ثلاث جوانب : أولها الجانب العقلي ، والذي يتمثل في عمليات التفكير العليا ، حيث يتميز المبدع بقوة الملاحظة والانتباه ، التفكير ، التذكر والتخيل ، الذكاء ، فلولا سعة خيال وقوة ملاحظة إسحاق نيوتن أثناء سقوط التفاحة لما استطاع إكتشاف الجاذبيية ، حيث يقول نيوتن : " العبقرية صبر طويل " . كما أن الجانب الإرادي يلعب دور مهم في عملية الإبداع ، حيث يتميز المبدع بقوة الإرادة والعزيمة والمثابرة على البحث ، فلولا قوة عزيمة توماس إديسون لما استطاع إكتشاف المصباح ، وهذا ما أكده اديسون في قوله : " تعلمت ألف طريقة خاطئة لصنع المصباح " . وأخيرا نجد الجانب الثالث وهو الجانب الانفعالي ، ويتمثل في جملة الإنفعالات والعواطف التي تكون مصدر النشاط الإبداعي ، فالشعراء لا يبدعون إلا في جو من التوتر الانفعالي ، وهذا ما أكده هنري برغسون في قوله : " إن الأثر العبقري يصدر من انفعال خلاق " . وقد أكد لنا فرويد مؤسس نظرية التحليل النفسي بأن الإبداع هو محصلة الأفكار اللاواعية في النفس . فالذات المبدعة هي تلك الذات التي تترجم تلك المكبوتات وذلك الماضي الدفين في النفس في شكل صور إبداعية ، ومن هنا فالفن هو وسيلة للإشباع الخيالي ، ومن أكبر الدلائل على ذلك نجد ليوناردو دافنشي ، فقد ترجم هذا الأخير تلك المكبوتات حول أمه المتوفاة على شكل لوحة فنية عرفت بالموناليزا ، حيث يقول فرويد في هذا الصدد : " إن الليبيدو هو المنبع الخفي وراء كل إبداع " . كما يقول بوانكاريه : إن الحظ يحالف النفس المهيأة " . بالإضافة إلى الألم والمأساة التي تلعب دور مهما في تفجير طاقات المبدع ، وهذا ما أشار إليه الفرد ديموسييه : " لا شيء كالألم العظيم يجعلنا عظماء ونحن مدينون إلى الألم بأحسن آثار الفن والإبداع " . فوراء كل شاعر عظيم أو روائي متميز ، أو فنان قدير ألم عظيم ، فالمبدع إنسان متألم ولكن من طراز خاص ورفيع ، فقد أبدع مفدي زكرياء النشيد قسما وكتبه بالدماء داخل السجن .

ومن هنا يمكن القول بأن الإبداع يخضع إلى شروط وعوامل ذاتية متعلقة بالفرد وحده .

النقد :

لا يمكن إنكار دور العوامل الذاتية في عملية الإبداع ، لكن هذه الأطروحة أهملت تأثير العوامل الموضوعية في الإبداع ونقصد بذلك التربية وثقافة المجتمع ، فالمبدعون لا يستطيعون تفجير طاقاتهم الإبداعية ما لم يتوفر لهم شروط اجتماعية ملائمة ، فلا إبداع من العدم ، مما يعني حاجة الذات التي تتأثر بالمحيط الاجتماعي إلى الشروط الاجتماعية الملائمة ، أليس الأديب كما يقال في العادة ابن بيئته !

نقيض الأطروحة ( الموقف الثاني ) :

وفي المقابل ، يؤكد بعض الفلاسفة والمفكرين بأن عملية الإبداع تابعة لشروط اجتماعية ، ولا يمكن تفسير طبيعة الإبداع إلا بالرجوع إلى الوسط الاجتماعي ، وقد مثل هذا الموقف كل من دوركايم وكارل ماركس ، فالحاجة الاجتماعية ومتطلباتها هي التي تدفع الإنسان إلى الإبداع ، ولهذا يقال : " الحاجة أم الاختراع " . ووفق رؤية إميل دوركايم فإن الإبداع تتحكم فيه شروط خاصة تتحدها البيئة الاجتماعية ، فالمبدع سواء كان فنانا أو عالما لا يبدع لنفسه وإنما يبدع وفق ما يحتاج إليه المجتمع وحسب ما يقره ويسمح به ، فلما كان الناس بحاجة إلى التنقل اخترعت وسائل النقل كالسيارات والطائرات ... ولما كان المرضى أيضا بحاجة إلى العلاج اخترعت مختلف الأدوية والأجهزة الطبية ، كما أن المجتمعات تبارك الإبداعات العلمية الموجهة لأغراض سلمية وتعاقب الإبداع العلمي الموجه إلى أغراض حربية ، ولعل هذا ما عناه دور كايم في قوله : " الإبداع ليس في جوهره أكثر من بناء جديد يستفيد من البنية الثقافية المعطاة عند المنطلق " . ومنها فلا يستطيع المبدع أن يبتكر شيئا إلا إذا توفرت لديه الإمكانيات المادية التي يوفرها المجتمع بالاضافة إلى ذلك . فعملية الإبداع مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتطور الحضاري ودرجة النمو التي بلغها المجتمع ، فمتى تهيأت الشروط العلمية في أي مجتمع تزيد نسبة الإبداع، لذلك لم يكن باستطاعة الناس أن يصنعوا القنبلة الذرية في العصور الوسطى رغم ذكائهم وخيالهم الواسع ، وهذا لأن صنعها يتطلب تكنولوجيا عالية . كما نجد الماركسية تؤكد بدورها على العامل الإجتماعي والاقتصادي في الإبداع ، فكل تحول أو تطور في الشروط الاقتصادية ( المادية ) يتبعه تحول في الشروط الإيديولوجية : السياسية ، الثقافية ، الفنية والدينية ... فلا يبدع المبدع إلا إذا توفرت لديه جملة من الشروط الاجتماعية وتفرت له الإمكانيات والوسائل، حيث نجد الدول المتقدمة تشجع المبدعين عن طريق اعطائهم منحا ماليا . وتوفر له مراكز بحث علمي خاصة وكل الوسائل والأجهزة ، ومن هنا يقول كارل ماركس : " ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم المادي هو الذي يحدد وعيهم "

النقد :

لا يمكن إنكار دور العوامل الاجتماعية في شحذ الطاقات الإبداعية ، ولكن لو كان الإبداع يعود إلى عوامل إجتماعية فقط لكان جميع أفراد المجتمع مبدعين ، والواقع يثبت العكس ، كما أن المجتمع في كثير من الأحيان يقابل جرأة المبدع بروحجامدة سكونية ، مثل لحظة إعدام غاليلي أثناء إعلانه أن الأرض كروية عكس الطرح السائد أنذاك .

التركيب ( التوفيق ) :

من خلال استعراض الموقفين يمكننا القول بأن الإبداع يعود بالدرجة الأولى إلى حيوية المبدع وما يتمتع به من خصائص نفسية وعقلية كتظافر الوظائف النفسية من من ذكاء . تخيل وذاكرة ... وتوفر الميول الكافية من رغبات وإرادة .... الخ . بالإضافة إلى تمتع صاحب الإبداع بنوع من الحس الإبداعي الخاص، كما أن المبدع يستمد عناصر إبداعه من المحيط الاجتماعي ، فالوسط الاجتماعي الملائم بعد حافزا على الإبداع ، ومن هنا فالإبداع نتاج التفاعل بين العوامل الذاتية والاجتماعية ، فهو يرتبط بالعوامل النفسية في تفاعلها مع ما هو اجتماعي ، ولعل هذا ما صرحه ريبو في قوله : " إن الإبداع مهما كان فرديا فإنه يحتوي على نصيب اجتماعي .. فالمبدع هو الشرارة التي تتقدح في ضمير المجتمع ، والمجتمع هو مستودع الشحن الروحية القابلة للاشتعال متى تناغمت العلاقة بينهما .

حل المشكلة :

في الأخير يمكننا القول بأنه على الرغم من الأهمية الكبيرة لدور المبدعين في صنع التاريخ وتحقيق الفتوحات العلمية وإنشاء الحضارات والارتقاء بها وحل المشكلات التي تواجه الإنسانية، فإن المبدع لا يستطيع أن يفعل شيئًا إن لم يكن هناك مجتمع يتجاوب معه ، وما لم يكن هذا المجتمع يرغب في النمو والارتقاء، ولديه القابلية للاستجابة لأفكار المبدع وطروحاته ، فالمجتمع هو الحاضنة التي تحتوي المبدعين ، وهو المرتع الخصب الذي يمدهم بمقومات الإبداع وبأوليات المعرفة ، وبالمقابل المبدع هو الذي يستطيع أن يستقرئ ماضي أمته ، ويدرك ويستوعب حاضرها ، ويتنبأ بمستقبلها ويشخص علائها ، ويقدم بناءا على ذلك كله الحلول المناسبة للارتقاء بواقعها .

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (1.4مليون نقاط)
 
أفضل إجابة
مقالة درس الذاكرة والخيال شعبة آداب وفلسفة؟

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى تفوقنا، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...