عللي : قرن الله تعالى حق الوالدين بحقه سبحانه؟
بر الوالدين:
أوجب الله -سبحانه وتعالى- طاعة الوالدين في كتابه العزيز، وحث النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك الخلق الكريم، وقرن الله حقهما بحقه -سبحانه وتعالى- كما قرن شكرهما بشكره فقال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء: 24-23], وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾لقمان: 14.
وأمر بصحبتهما والإحسان إليهما ولو كانا كافرين، قال تعالى: ﴿وَإن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لقمان: 15.
وعن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستفتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلُ أمي؟ قال: نعم صلي أمك
وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 8
بل حقهما أولى على الابن من حقوق جميع المخلوقين، في حدود الشرع الذي شرعه الله رب العالمين، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك.
المقصود ببر الوالدين:
البِرُّ: الصِّدْقُ والطاعةُ, وفي التنزيل: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ﴾ [البقرة: 177] أَراد ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمن بالله وقال شمر في تفسير قوله -صلى الله عليه وسلم-: «عليكم بالصِّدْق فإِنه يَهْدي إِلى البِر»(4), وقد اختلف العلماء في تفسير البر فقال بعضهم: البر الصلاح، وقال بعضهم: البر: الخير، قال: ولا أَعلم تفسيراً أَجمع منه؛ لأَنه يحيط بجميع ما قالوا، قال وجعل لبيدٌ البِرَّ التُّقى حيث يقول
وما البِرّ إِلاَّ مُضْمَراتٌ من التُقَى *** وما المالُ إِلا مُعْمَراتٌ وَدائِعُ
وما المالُ والأَهْلُون إِلا وَدائِعٌ *** ولا بد يوماً أَن تُرَدَّ الوَدائِعُ.
والبَرُّ: من صفات الله قال ابن الأَثير في أَسماء الله تعالى: البَرُّ دون البارِّ، وهو العَطُوف على عباده بِبِرَّهِ ولطفه قال النووي -رحمه الله-: "وأما بر الوالدين فهو الإحسان إليهما، وفعل الجميل معهما، وفعل ما يسرهما ويدخل فيه الإحسان إلى صديقهما" وقال المناوي: "أي: طاعتهما والإحسان إليهما فيما لا يخالف الشرع.
قال العراقي: أخبر أن أفضل حقوق الله الصلاة لوقتها، وأفضل حقوق العباد بعضهم على بعض بر الوالدين، فهما أحق بالبر من جميع الأقارب" جعل الرسول-صلى الله عليه وسلم- برهما من الجهاد، فعبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم -فاستأذنه في الجهاد فقال: «أحي والداك» قال: نعم قال: «ففيهما فجاهد» قال ابن حجر: "أي إن كان لك أبوان فأبلغ جهدك في برهما والإحسان إليهما فإن ذلك يقوم لك مقام قتال العدو".(23) طاعتهما من أسباب المغفرة، وموجبات الجنة، عن أبي بن مالك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- انه قال: «من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه»(25), وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف» قيل من؟ يا رسول الله قال: «من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة»(26) و برّهما سبب في تفريج الكربات، ويدل على ذلك قصة الثلاثة الذين انطبقت الصخرة على فم الغار الذي هم فيه، فتوسلوا إلى الله بصالح عملهم، فتوسل أحدهم ببره بوالديه والثاني: بكمال العفّة والثالث: بتمام الأمانة ففرّج الله كربتهم بزوال الصخرة عن فم الغار، والقصة في الصحيحين، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «بينما ثلاثة نفر يمشون أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله فادعوا الله بها؛ لعله يفرجها عنكم قال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم فإذا رحت عليهم حلبت فبدأت بوالدي أسقيهما قبل بني، وإني استأ خرت ذات يوم فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما ناما فحلبت كما كنت أحلب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما وأكره أن أسقي الصبية والصبية يتضاغون عند قدمي حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلته ابتغاء وجهك فأفرج لنا فرجة نرى منها السماء ففرج الله فرأوا السماء، وقال الآخر: اللهم إنها كانت لي بنت عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء فطلبت منها فأبت حتى أتيتها بمائة دينار فبغيت حتى جمعتها فلما وقعت بين رجليها قالت: يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه فقمت فإن كنت تعلم أني فعلته ابتغاء وجهك فأفرج عنا فرجة ففرج، وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجيرا بفرق أرز فلما قضى عمله قال: أعطني حقي فعرضت عليه فرغب عنه فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا وراعيها فجاءني فقال: اتق الله فقلت اذهب إلى ذلك البقر ورعاتها فخذ فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي فقلت: إني لا أستهزئ بك فخذ فأخذه فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج ما بقي ففرج الله
و برهما سبب في سعة الرزق وطول العمر وحسن الخاتمة، قال أنس بن مالك: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في
( أثره فليصل رحمه.
دعوة الوالد على الولد مستجابة، ويدل على ذلك قصة جريج العابد الذي دعت عليه أمّه لما ترك إجابة ندائها أن يريه الله وجوه المومسات -أي الزواني- فاستجاب الله دعاءها، والقصة في الصحيحين: عن أبي هريرة: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «م يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي جاءته أمه فدعته فقال: أجيبها أو أصلي فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى فأتت راعياً فأمكنته من نفسها فولدت غلاماً فقالت: من جريج فأتوه فكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب؟ قال لا إلا من طين.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة الوالد ودعوة المسافر ودعوة المظلوم
رضى الله في رضى الوالدين، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: عن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: «رضى الرب في رضى الوالد وسخط الرب في سخط الوالد
عن أسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» فاستغفر لي فاستغفر له فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي، قال: فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم فوافق عمر فسأله عن أويس قال: تركته رث البيت قليل المتاع قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» فأتى أويساً فقال: استغفر لي، قال: أنت أحدث عهداً بسفرٍ صالحٍ فاستغفر لي، قال: استغفر لي قال: أنت أحدث عهداً بسفرٍ صالحٍ فاستغفر لي، قال: لقيت عمر؟ قال: نعم فاستغفر له، ففطن له الناس فانطلق على وجهه، قال: أسير وكسوته بردة فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لأويس هذه البردة؟
وذلك الفضل العظيم إنما هو لأهمية برهما ولمكانة الوالدين العظيمة وأهمية بر الأم وتقديمها على الأب وكونها أولى الناس بحسن الصحبة، كما ورد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك» وذلك لأمورٍ عظيمة، ذكرها العلماء.
عللي : قرن الله تعالى حق الوالدين بحقه سبحانه
قال القرطبي في تفسيره -رحمه الله-: "فهذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب؛ لذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الأم ثلاث مرات وذكر الأب في الرابعة فقط، وإذا توصل هذا المعنى شهد له العيان وذلك أن صعوبة الحمل، وصعوبة الوضع، وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم دون الأب، فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب.