في تصنيف تعليم بواسطة (1.4مليون نقاط)

مقالة جدلية هل الإدراك محصلة لنشاط الذات أم تصور لنظام الأشياء ؟

الأسئلة المشابهة :

هل الإدراك يخضع إلى عوامل ذاتية أم موضوعية ؟

هل إدراكنا تابع الموضوعات العالم الخارجي لا غير ؟

هل تقتصر عملية الإدراك على الموضوع المدرك فقط ؟

هل تتوقف العملية الإدراكية على انتظام الأشياء ؟

هل الإدراك يخضع إلى فاعلية الذات أم إلى بنية الموضوع ؟

طرح المشكلة :

يعتبر الإدراك أحدى أهم العمليات النفسية التي يستعين الإنسان بها لمعرفة العالم الخارجي والتكيف معه باعتباره عملية مكملة لدور للإحساس ومتجاوزة له في الوقت نفسه ، وهذا لما يقوم به من تنظيم الإحساساتنا الواردة من العالم الخارجي وتفسيرها ، فهو عملية عقلية معقدة تتداخل فيها مختلف القدرات الذهنية للإنسان ، حيث يعرفه جميل صليبا بأنه : " حصول صورة الشيء في العقل سواء كان ذلك الشيء مجردا أو ماديا ، جزئيا أو كليا ، حاضرا أو غائبا " ، إلا أن عملية الإدراك تختلف من إنسان لآخر نظرا لوجود جملة من العوامل و الشروط التي تحكمها ، وهذا ما مثل محور جدال و اختلاف بين الفلاسفة والمفكرين ، فهناك من يرى أن الإدراك نشاط ذاتي يخضع لعوامل ذاتية متعلقة بالشخص المدرك ، وهناك من أرجعه إلى عوامل موضوعية متعلقة ببنية الموضوع المدرك ، ومن هذا الجدال الفلسفي وجب طرح الإشكالية التالية : 

هل الإدراك محصلة للعوامل الذاتية أم هو مجرد تصور للبنية الخارجية للأشياء ؟ أو بصيغة أخرى : هل الإدراك يعود إلى عوامل ذاتية بحتة أم إلى مجمل العوامل الموضوعية ؟

محاولة حل المشكلة :

الموقف الأول :

إن عملية الإدراك تتوقف في مجملها على مجموعة العوامل الذاتية المتعلقة منها بالحالة العقلية والنفسية والجسمية للإنسان كالتخيل ، الذكاء ، الذاكرة والانتباه و غيرها ، وهي عوامل يمكن من خلالها تفسير التباين الحاصل على مستوى ادراكات الأشخاص للموقف الواحد ، ويمثل هذا الموقف كل من ديكارت ، آلان ، باركلي ، دافيد هيوم وحججهم في ذلك ما يلي : إن الإدراك عملية عقلية ذاتية لا دخل للموضوع المدرك فيها ، حيث أن إدراك الشيء ذي أبعاد يتم بواسطة أحكام عقلية نصدرها عند تفسير المعطيات الحسية ، لذلك فالإدراك نشاط عقلي تساهم فيه عوامل ووظائف عقلية عليا من بينها الخبرة والذاكرة ، فنحن ندرك الأشياء في ضوء ما خبرنا وما مر بنا من تجارب ، ويترتب على ذلك أنه كلما كانت الأشياء التي ندركها في الوقت الراهن تقع في إطار خبراتنا الراهنة يسهل علينا إدراكها من تلك التي لم تقع في نطاق خبرتنا السابقة ، مثلا عندما ندخل قسما ونرى معادلات في السبورة ندرك أنه درس رياضيات لمعرفتنا السابقة بهذه المادة أما الجاهل بهذه المادة يرى ما نرى لكنه لا يدرك ما ندرك ، ويؤكد ذلك ما عبر إليه آلان في مثال المكعب ، فنحن عندما نرى الشكل نحكم عليه مباشرة بأنه مكعب ، بالرغم أننا لا نرى منه إلا ثلاثة أوجه وستة أضلاع ، في حين أن للمكعب ستة وجوه واثنا عشرة ضلعا ، لأننا نعلم عن طريق الخبرة السابقة أننا إذا أدرنا المكعب فسنرى الأوجه والأضلاع التي لا نراها الآن ، ونحكم الآن بوجودها ، لذلك فإدراك المكعب لا يخضع لمعطيات الحواس بل لنشاط الذهن وأحكامه ، حيث يقول آلان : إن الإدراك حكم عقلي " . ويعتبر باركلي أن الأكمه - الأعمى بالولادة - إذا استعاد بصره بعد عملية جراحية فستبدو له الأشياء لاصقة بعينيه ويخطئ في تقدير المسافات والأبعاد ، لأنه ليس لديه فكرة ذهنية أو خبرة مسبقة بالمسافات والأبعاد ، وحالة الأكمه تماثل حالة الصبي في مرحلة اللاتمايز ، فلا يميز بين يديه والعالم الخارجي ، ويمد يديه لتناول الأشياء البعيدة ، لأنه يخطئ. أيضا - في تقدير المسافات لانعدام الخبرة السابقة لديه لذلك ، وهذا ما أكده في قوله : " إدراك المسافات حكم يستند إلى التجربة والخبرة في توجيه الإدراك " . كما يقر دافيد هيوم أن الإدراك يخضع إلى الذات المدركة ، فالإدراكات العقلية ما هي إلا نسخة من الانطباعات الحسية ، إذ يقسم لنا الإدراك إلى انطباعات وأفكار ، والانطباع عنده يطلق على أي إحساس ، أو عاطفة أو انفعال يظهر في أذهاننا أول مرة ، أما الفكرة فهي نسخة باهتة من الانطباع ، ومهما وصلت الفكرة درجة الوضوح والدقة فإنها لا تبلغ درجة وضوح الانطباعات الحسية ، حيث يقول هيوم : " وهكذا كافة أفكارنا التي هي إدراكات خافتة ، صور تحاكي إنطباعاتنا التي هي إدراكات ناصعة " . كما ترتبط عملية الإدراك بالإرادة والتركيز لأن هناك : الكثير من الأمور التي لا تدرك بسهولة وتحتاج حينئذ للإرادة ، وتركيز الوعي نحو الموضوع ، وهذا من أجل معرفة تفاصيله ، كالطبيب الذي يفحص المريض من أجل تشخيص المرض ، أو الميكانيكي الذي يريد معرفة العطب الموجود في السيارة ، كما أن للشعور والحالة النفسية وما يرتبط بها من ميول ورغبات وأهواء تأثير على عملية الإدراك ، وذلك أن إدراكنا للعالم الخارجي لا يكون ثابتا بل متغيرا حسب حالتنا الانفعالية ، ففي الحزن نرى العالم كتيبا أسودا وفي الفرح نراه جميلا ملونا ، وفي الخوف نراه مرعبا وهكذا ... وأما الأشياء التي لا تثير انفعالاتنا تبقى خارجة عن ساحة الإدراك ، كما الإنسان يدرك بسهولة الأمور التي تتفق مع ميوله ورغباته وأما الأشياء التي تتعارض مع ميوله فلا يدركها إلا بصعوبة أو يدركها إدراكا مشوها ، فرؤية الفنان إلى الطبيعة تنصب على الألوان والأضواء ومدى تناسبها ، أما القائد العسكري يراها كما لو كانت تصلح لإعداد خطة حربية معينة ، والمهندس يراها منطقة ملائمة لبناء سكنات ومرافق رياضية ، والفلاح بدوره يرى فيها حقول من كل أنواع الخضر والفواكه ، وهكذا يتأثر الإدراك بالميول والاهتمامات الخاصة ، ونجد من العوامل الذاتية كذلك عامل العاطفة ، ويتضح أثرها من خلال أن الشخص الذي نحبه مثلا لا ندرك فيه إلا المحاسن ، أما الشخص الذي نكرهه لا نرى فيه إلا المساوئ ، فنظرة الأم إلى ابنها تختلف كل الاختلاف عن نظرة الغير له نظرا لميلها العاطفي نحوه ، وكذا عامل التوقع الذي يعني أن الإنسان يدرك الأشياء كما يتوقع أن تكون والموضوعات التي تخالف توقعه يصعب عليه إدراكها ، فقد يحدث مثلا أن نرى إنسانا نعرفه ولكن ندركه بصعوبة لأننا لم نتوقع الالتقاء به ، كما لا يمكن تجاهل عاملي السن والمستوى الثقافي والتعليمي ، حيث نجد أن إدراك الراشد للأشياء يختلف عن إدراك الصبي لها ، وإدراك المتعلم أو المثقف يختلف بطبيعة الحال عن إدراك الجاهل ، فإدراك شاب مهتم بالسيارات وآخر غير مهتم السيارة متوقفة أمامهما يختلف ، فالأول يدرك نوعها وسرعتها وكل تفاصيلها أما الثاني فيدركها كسيارة فقط ، كما أن للتعود دورا لا يقل عن دور العوامل السابقة ، فالعربي مثلا في الغالب يدرك الأشياء من اليمين إلى اليسار لتعوده على الكتابة بهذا الشكل ولتعوده على البدء دائما من اليمين ، بعكس الأوروبي الذي يدرك من اليسار إلى اليمين .

نقد وتقييم :

صحيح أن للعوامل الذاتية دورا في عملية الإدراك ، لكن هذه العوامل وحدها لا تكفي ، فالعقل وحده لا يؤدي إلى الإدراك إذا كان الشيء معاقا بعوائق خارجية ، كما أن بعض الأشياء يصعب إدراكها رغم توفر كل العوامل الذاتية وذلك لاحتوائها على صفات وخصائص في بنيتها يجعل من إدراكها أصعب من غيرها ، وهذا ما أغفله هذا الطرح ، ففي بعض الأحيان قد تتوفر هذه الشروط الذاتية ولا يحصل الإدراك أو يكون الإدراك غير واضح نظرا لطبيعة الشيء المدرك وشكله ومدى انتظام عناصره.

الموقف الثاني :

إن الإدراك يتوقف على فاعلية الموضوع وبنيته الخارجية ، فطبيعة الشيء المدرك هي التي تحدد درجة إدراكنا ، فإدراك الأشياء عملية موضوعية وليس وليد أحكام عقلية تصدرها الذات ، فالعالم الخارجي منظم وفق عوامل موضوعية وقوانين معينة تسمى بـ " قوانين الإدراك " ، ويمثل هذا الموقف رواد المدرسة الجشطالتية بزعامة كوفكا ، كوهلر ، فيرتهايمر ، بول غيوم ، جون بياجي ، وحججهم في ذلك ما يلي : 

إن الإدراك لا يعود إلى عوامل عقلية ذاتية بقدر ما يعود إلى الشكل الخارجي والبنية بأكملها وانتظام هذه البنية أو تفككها في المجال البصري هو الذي يحدد نوع الإدراك ، يقول بول غيوم :

إن الوقائع النفسية صور ، أي وحدات عضوية تنفرد وتتحدد في المجال المكاني والزماني للإدراك أو التصور ، وتخضع الصور بالنسبة للإدراك لمجموعة من العوامل الموضوعية فالإدراك يخضع لجملة من القوانين التي هي عبارة عن عوامل موضوعية تحكم المجال الإدراكي للإنسان ، ومن بين أهم هذه العوامل نجد عامل الشكل والأرضية ، حيث ندرك الأشكال أولا ثم الأرضية بعد ذلك ، لأن الشكل يكون أكثر وضوحا وأسهل للإدراك من الأرضية ، فعندما نضع قطعة قطن على أرضية مثل لونها كالثلج مثلا لا نستطيع إدراكها على العكس عندما نضعها على أرضية سوداء ، فالموضوع يكون أكثر وضوحا في العملية الإدراكية عندما يكون على أرضية مناسبة ، وهذا ما أكده كوهلر في قوله : " إن الحقيقة الرئيسية في المدرك الحسي ليس العناصر والأجزاء التي يتألف منها الشيء بل شكله وبناؤه العام " . وكذلك نجد قانون الانتظام ، حيث أن العناصر الجزئية لما تنتظم تكون صورة كلية فيكون إدراكنا للكل دائما أسبق من الجزء ، فنحن ندرك صورة الشجرة قبل الأغصان والأوراق وصورة الوجه قبل العين والأنف وصورة القسم قبل الطاولة ومكان التلميذ ، كما أن الصور والأشياء البارزة تكون أولى بالإدراك من غيرها ، فالنجمة الساطعة في السماء ندركها قبل غيرها وهذا ما يعرف بقانون البروز ، حيث يقول كوفكا : " إن عامل الانتظام والبروز كافي لعملية الإدراك " . إضافة إلى ذلك نجد قانون التشابه ، ومعناه أن الأشياء المتشابهة في الحجم والشكل واللون نميل إلى إدراكها كصيغ متميزة عن غيرها ، فالإنسان يدرك أرقام الهاتف بسهولة إذا كانت متشابهة ، وكذلك قانون التقارب والذي فحواه أن الأشياء المتقاربة في الزمان أو المكان يسهل علينا إدراكها كصيغة متكاملة ، فنحن ندرك كراسي حجرة الجلوس كوحدة متكاملة نتيجة تقاربها ، كما أن الإنسان في إدراكاته يميل إلى سد الثغرات أو النقائص أو التغاضي عنها ، فنحن ندرك الأشياء الناقصة كما لو كانت كاملة ، فالدائرة الناقصة في بعض أجزائها ندركها كاملة وهذا ما يعرف بقانون الإغلاق ، وإضافة إلى قوانين الانتظام نجد من العوامل الموضوعية كذلك عامل الحركة لأنها تولد الانتباه ، فنحن ندرك الجسم المتحرك قبل الجسم الساكن ، كأن تتجه أنظارنا نحو الشهاب بدل النجوم الثابتة.

نقد وتقييم :

لا يمكن إنكار دور العوامل الموضوعية من تأثير في عملية الإدراك ، إلا أن الإلحاح على أهمية العوامل الموضوعية في الإدراك واهمال العوامل الذاتية لاسيما دور العقل ليس له ما يبرره ، فهذا الطرح يجعل من الشخص المدرك آلة تصوير أو مجرد جهاز استقبال فقط مادامت الموضوعات هي التي تفرض نفسها عليه سواء أراد ذلك أو لم يرد ، مما يجعل منه في النهاية مجرد متلقي سلبي منفعل لا فاعل.

التركيب :

بعد عرضنا للموقفين يمكننا القول أن عملية الإدراك تتأثر بعوامل كثيرة منها ما يرتبط بطبيعة الشخص المدرك ، ومنها ما يرتبط بطبيعة الشيء المدرك ، ولن يتم الإدراك إلا من خلال تحالف الشروط الذاتية مع الشروط الموضوعية وهذا ما ذهبت إليه المدرسة الظواهرية التي ترى أن الإدراك هو عملية متعددة الأبعاد ، فهو قائم على التفاعل بين الذات والموضوع ، وهكذا يغدو وعي الإنسان فعلا موجها نحو الخارج عن طريق فكرة القصدية ، أي هناك موضوع وهناك ذاتا تقصده ، وبالتالي لا يفهم الإدراك من خلال ذات دون موضوع ولا موضوع دون ذات ، فكل إدراك هو شعور بموضوع ، وهذا ما قصده هوسرل في قوله : " الشعور دائما هو الشعور بموضوع ما ".

حل المشكلة :

وفي الأخير نستنتج أن الإدراك من الوظائف الأكثر تعقيدا ، وهو عملية تساهم فيها جملة من العوامل بعضها يعود إلى نشاط الذات وبعضها الآخر إلى بنية الموضوع ، وهذا على اعتبار أن هناك تفاعل حيوي بين الذات والموضوع ، فكل إدراك هو إدراك لموضوع ، ولكن على أن يكون لهذا الموضوع خصائص تساعد على إدراكه ، حيث يقول موريس ميرلوبونتي : " إن الإحساس هو ذلك الإتصال الحيوي بالعالم الى يجعله لنا حاضرا بصفته مكانا مألوفا ، ومنه يستمد الموضوع المدرك والذات المدركة سمكها ، إنها نسيج قصدي سعى إلى المعرفة " . فالإدراك لا يعود إلى فاعلية الذات فقط أو إلى بنية الموضوع فحسب ، وهذا من حيث أنه لا وجود لإدراك بدون موضوع ندركه ، ولذلك يمكننا القول أن الإدراك يعود إلى تفاعل مزدوج ودائم بين العوامل الذاتية والموضوعية.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (1.4مليون نقاط)
 
أفضل إجابة
هل الإدراك يخضع إلى فاعلية الذات أم إلى بنية الموضوع ؟

وفي الأخير نستنتج أن الإدراك من الوظائف الأكثر تعقيدا ، وهو عملية تساهم فيها جملة من العوامل بعضها يعود إلى نشاط الذات وبعضها الآخر إلى بنية الموضوع ، وهذا على اعتبار أن هناك تفاعل حيوي بين الذات والموضوع ، فكل إدراك هو إدراك لموضوع ، ولكن على أن يكون لهذا الموضوع خصائص تساعد على إدراكه ، حيث يقول موريس ميرلوبونتي : " إن الإحساس هو ذلك الإتصال الحيوي بالعالم الى يجعله لنا حاضرا بصفته مكانا مألوفا ، ومنه يستمد الموضوع المدرك والذات المدركة سمكها ، إنها نسيج قصدي سعى إلى المعرفة " . فالإدراك لا يعود إلى فاعلية الذات فقط أو إلى بنية الموضوع فحسب ، وهذا من حيث أنه لا وجود لإدراك بدون موضوع ندركه ، ولذلك يمكننا القول أن الإدراك يعود إلى تفاعل مزدوج ودائم بين العوامل الذاتية والموضوعية.

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى تفوقنا، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...