مقالة جدلية هل الإدراك محصلة لنشاط الذات أم تصور لنظام الأشياء ؟
الأسئلة المشابهة :
هل الإدراك يخضع إلى عوامل ذاتية أم موضوعية ؟
هل إدراكنا تابع الموضوعات العالم الخارجي لا غير ؟
هل تقتصر عملية الإدراك على الموضوع المدرك فقط ؟
هل تتوقف العملية الإدراكية على انتظام الأشياء ؟
هل الإدراك يخضع إلى فاعلية الذات أم إلى بنية الموضوع ؟
طرح المشكلة :
يعتبر الإدراك أحدى أهم العمليات النفسية التي يستعين الإنسان بها لمعرفة العالم الخارجي والتكيف معه باعتباره عملية مكملة لدور للإحساس ومتجاوزة له في الوقت نفسه ، وهذا لما يقوم به من تنظيم الإحساساتنا الواردة من العالم الخارجي وتفسيرها ، فهو عملية عقلية معقدة تتداخل فيها مختلف القدرات الذهنية للإنسان ، حيث يعرفه جميل صليبا بأنه : " حصول صورة الشيء في العقل سواء كان ذلك الشيء مجردا أو ماديا ، جزئيا أو كليا ، حاضرا أو غائبا " ، إلا أن عملية الإدراك تختلف من إنسان لآخر نظرا لوجود جملة من العوامل و الشروط التي تحكمها ، وهذا ما مثل محور جدال و اختلاف بين الفلاسفة والمفكرين ، فهناك من يرى أن الإدراك نشاط ذاتي يخضع لعوامل ذاتية متعلقة بالشخص المدرك ، وهناك من أرجعه إلى عوامل موضوعية متعلقة ببنية الموضوع المدرك ، ومن هذا الجدال الفلسفي وجب طرح الإشكالية التالية :
هل الإدراك محصلة للعوامل الذاتية أم هو مجرد تصور للبنية الخارجية للأشياء ؟ أو بصيغة أخرى : هل الإدراك يعود إلى عوامل ذاتية بحتة أم إلى مجمل العوامل الموضوعية ؟
محاولة حل المشكلة :
الموقف الأول :
إن عملية الإدراك تتوقف في مجملها على مجموعة العوامل الذاتية المتعلقة منها بالحالة العقلية والنفسية والجسمية للإنسان كالتخيل ، الذكاء ، الذاكرة والانتباه و غيرها ، وهي عوامل يمكن من خلالها تفسير التباين الحاصل على مستوى ادراكات الأشخاص للموقف الواحد ، ويمثل هذا الموقف كل من ديكارت ، آلان ، باركلي ، دافيد هيوم وحججهم في ذلك ما يلي : إن الإدراك عملية عقلية ذاتية لا دخل للموضوع المدرك فيها ، حيث أن إدراك الشيء ذي أبعاد يتم بواسطة أحكام عقلية نصدرها عند تفسير المعطيات الحسية ، لذلك فالإدراك نشاط عقلي تساهم فيه عوامل ووظائف عقلية عليا من بينها الخبرة والذاكرة ، فنحن ندرك الأشياء في ضوء ما خبرنا وما مر بنا من تجارب ، ويترتب على ذلك أنه كلما كانت الأشياء التي ندركها في الوقت الراهن تقع في إطار خبراتنا الراهنة يسهل علينا إدراكها من تلك التي لم تقع في نطاق خبرتنا السابقة ، مثلا عندما ندخل قسما ونرى معادلات في السبورة ندرك أنه درس رياضيات لمعرفتنا السابقة بهذه المادة أما الجاهل بهذه المادة يرى ما نرى لكنه لا يدرك ما ندرك ، ويؤكد ذلك ما عبر إليه آلان في مثال المكعب ، فنحن عندما نرى الشكل نحكم عليه مباشرة بأنه مكعب ، بالرغم أننا لا نرى منه إلا ثلاثة أوجه وستة أضلاع ، في حين أن للمكعب ستة وجوه واثنا عشرة ضلعا ، لأننا نعلم عن طريق الخبرة السابقة أننا إذا أدرنا المكعب فسنرى الأوجه والأضلاع التي لا نراها الآن ، ونحكم الآن بوجودها ، لذلك فإدراك المكعب لا يخضع لمعطيات الحواس بل لنشاط الذهن وأحكامه ، حيث يقول آلان : إن الإدراك حكم عقلي " . ويعتبر باركلي أن الأكمه - الأعمى بالولادة - إذا استعاد بصره بعد عملية جراحية فستبدو له الأشياء لاصقة بعينيه ويخطئ في تقدير المسافات والأبعاد ، لأنه ليس لديه فكرة ذهنية أو خبرة مسبقة بالمسافات والأبعاد ، وحالة الأكمه تماثل حالة الصبي في مرحلة اللاتمايز ، فلا يميز بين يديه والعالم الخارجي ، ويمد يديه لتناول الأشياء البعيدة ، لأنه يخطئ. أيضا - في تقدير المسافات لانعدام الخبرة السابقة لديه لذلك ، وهذا ما أكده في قوله : " إدراك المسافات حكم يستند إلى التجربة والخبرة في توجيه الإدراك " . كما يقر دافيد هيوم أن الإدراك يخضع إلى الذات المدركة ، فالإدراكات العقلية ما هي إلا نسخة من الانطباعات الحسية ، إذ يقسم لنا الإدراك إلى انطباعات وأفكار ، والانطباع عنده يطلق على أي إحساس ، أو عاطفة أو انفعال يظهر في أذهاننا أول مرة ، أما الفكرة فهي نسخة باهتة من الانطباع ، ومهما وصلت الفكرة درجة الوضوح والدقة فإنها لا تبلغ درجة وضوح الانطباعات الحسية ، حيث يقول هيوم : " وهكذا كافة أفكارنا التي هي إدراكات خافتة ، صور تحاكي إنطباعاتنا التي هي إدراكات ناصعة " . كما ترتبط عملية الإدراك بالإرادة والتركيز لأن هناك : الكثير من الأمور التي لا تدرك بسهولة وتحتاج حينئذ للإرادة ، وتركيز الوعي نحو الموضوع ، وهذا من أجل معرفة تفاصيله ، كالطبيب الذي يفحص المريض من أجل تشخيص المرض ، أو الميكانيكي الذي يريد معرفة العطب الموجود في السيارة ، كما أن للشعور والحالة النفسية وما يرتبط بها من ميول ورغبات وأهواء تأثير على عملية الإدراك ، وذلك أن إدراكنا للعالم الخارجي لا يكون ثابتا بل متغيرا حسب حالتنا الانفعالية ، ففي الحزن نرى العالم كتيبا أسودا وفي الفرح نراه جميلا ملونا ، وفي الخوف نراه مرعبا وهكذا ... وأما الأشياء التي لا تثير انفعالاتنا تبقى خارجة عن ساحة الإدراك ، كما الإنسان يدرك بسهولة الأمور التي تتفق مع ميوله ورغباته وأما الأشياء التي تتعارض مع ميوله فلا يدركها إلا بصعوبة أو يدركها إدراكا مشوها ، فرؤية الفنان إلى الطبيعة تنصب على الألوان والأضواء ومدى تناسبها ، أما القائد العسكري يراها كما لو كانت تصلح لإعداد خطة حربية معينة ، والمهندس يراها منطقة ملائمة لبناء سكنات ومرافق رياضية ، والفلاح بدوره يرى فيها حقول من كل أنواع الخضر والفواكه ، وهكذا يتأثر الإدراك بالميول والاهتمامات الخاصة ، ونجد من العوامل الذاتية كذلك عامل العاطفة ، ويتضح أثرها من خلال أن الشخص الذي نحبه مثلا لا ندرك فيه إلا المحاسن ، أما الشخص الذي نكرهه لا نرى فيه إلا المساوئ ، فنظرة الأم إلى ابنها تختلف كل الاختلاف عن نظرة الغير له نظرا لميلها العاطفي نحوه ، وكذا عامل التوقع الذي يعني أن الإنسان يدرك الأشياء كما يتوقع أن تكون والموضوعات التي تخالف توقعه يصعب عليه إدراكها ، فقد يحدث مثلا أن نرى إنسانا نعرفه ولكن ندركه بصعوبة لأننا لم نتوقع الالتقاء به ، كما لا يمكن تجاهل عاملي السن والمستوى الثقافي والتعليمي ، حيث نجد أن إدراك الراشد للأشياء يختلف عن إدراك الصبي لها ، وإدراك المتعلم أو المثقف يختلف بطبيعة الحال عن إدراك الجاهل ، فإدراك شاب مهتم بالسيارات وآخر غير مهتم السيارة متوقفة أمامهما يختلف ، فالأول يدرك نوعها وسرعتها وكل تفاصيلها أما الثاني فيدركها كسيارة فقط ، كما أن للتعود دورا لا يقل عن دور العوامل السابقة ، فالعربي مثلا في الغالب يدرك الأشياء من اليمين إلى اليسار لتعوده على الكتابة بهذا الشكل ولتعوده على البدء دائما من اليمين ، بعكس الأوروبي الذي يدرك من اليسار إلى اليمين .
نقد وتقييم :
صحيح أن للعوامل الذاتية دورا في عملية الإدراك ، لكن هذه العوامل وحدها لا تكفي ، فالعقل وحده لا يؤدي إلى الإدراك إذا كان الشيء معاقا بعوائق خارجية ، كما أن بعض الأشياء يصعب إدراكها رغم توفر كل العوامل الذاتية وذلك لاحتوائها على صفات وخصائص في بنيتها يجعل من إدراكها أصعب من غيرها ، وهذا ما أغفله هذا الطرح ، ففي بعض الأحيان قد تتوفر هذه الشروط الذاتية ولا يحصل الإدراك أو يكون الإدراك غير واضح نظرا لطبيعة الشيء المدرك وشكله ومدى انتظام عناصره.
الموقف الثاني :
إن الإدراك يتوقف على فاعلية الموضوع وبنيته الخارجية ، فطبيعة الشيء المدرك هي التي تحدد درجة إدراكنا ، فإدراك الأشياء عملية موضوعية وليس وليد أحكام عقلية تصدرها الذات ، فالعالم الخارجي منظم وفق عوامل موضوعية وقوانين معينة تسمى بـ " قوانين الإدراك " ، ويمثل هذا الموقف رواد المدرسة الجشطالتية بزعامة كوفكا ، كوهلر ، فيرتهايمر ، بول غيوم ، جون بياجي ، وحججهم في ذلك ما يلي :
إن الإدراك لا يعود إلى عوامل عقلية ذاتية بقدر ما يعود إلى الشكل الخارجي والبنية بأكملها وانتظام هذه البنية أو تفككها في المجال البصري هو الذي يحدد نوع الإدراك ، يقول بول غيوم :
إن الوقائع النفسية صور ، أي وحدات عضوية تنفرد وتتحدد في المجال المكاني والزماني للإدراك أو التصور ، وتخضع الصور بالنسبة للإدراك لمجموعة من العوامل الموضوعية فالإدراك يخضع لجملة من القوانين التي هي عبارة عن عوامل موضوعية تحكم المجال الإدراكي للإنسان ، ومن بين أهم هذه العوامل نجد عامل الشكل والأرضية ، حيث ندرك الأشكال أولا ثم الأرضية بعد ذلك ، لأن الشكل يكون أكثر وضوحا وأسهل للإدراك من الأرضية ، فعندما نضع قطعة قطن على أرضية مثل لونها كالثلج مثلا لا نستطيع إدراكها على العكس عندما نضعها على أرضية سوداء ، فالموضوع يكون أكثر وضوحا في العملية الإدراكية عندما يكون على أرضية مناسبة ، وهذا ما أكده كوهلر في قوله : " إن الحقيقة الرئيسية في المدرك الحسي ليس العناصر والأجزاء التي يتألف منها الشيء بل شكله وبناؤه العام " . وكذلك نجد قانون الانتظام ، حيث أن العناصر الجزئية لما تنتظم تكون صورة كلية فيكون إدراكنا للكل دائما أسبق من الجزء ، فنحن ندرك صورة الشجرة قبل الأغصان والأوراق وصورة الوجه قبل العين والأنف وصورة القسم قبل الطاولة ومكان التلميذ ، كما أن الصور والأشياء البارزة تكون أولى بالإدراك من غيرها ، فالنجمة الساطعة في السماء ندركها قبل غيرها وهذا ما يعرف بقانون البروز ، حيث يقول كوفكا : " إن عامل الانتظام والبروز كافي لعملية الإدراك " . إضافة إلى ذلك نجد قانون التشابه ، ومعناه أن الأشياء المتشابهة في الحجم والشكل واللون نميل إلى إدراكها كصيغ متميزة عن غيرها ، فالإنسان يدرك أرقام الهاتف بسهولة إذا كانت متشابهة ، وكذلك قانون التقارب والذي فحواه أن الأشياء المتقاربة في الزمان أو المكان يسهل علينا إدراكها كصيغة متكاملة ، فنحن ندرك كراسي حجرة الجلوس كوحدة متكاملة نتيجة تقاربها ، كما أن الإنسان في إدراكاته يميل إلى سد الثغرات أو النقائص أو التغاضي عنها ، فنحن ندرك الأشياء الناقصة كما لو كانت كاملة ، فالدائرة الناقصة في بعض أجزائها ندركها كاملة وهذا ما يعرف بقانون الإغلاق ، وإضافة إلى قوانين الانتظام نجد من العوامل الموضوعية كذلك عامل الحركة لأنها تولد الانتباه ، فنحن ندرك الجسم المتحرك قبل الجسم الساكن ، كأن تتجه أنظارنا نحو الشهاب بدل النجوم الثابتة.
نقد وتقييم :
لا يمكن إنكار دور العوامل الموضوعية من تأثير في عملية الإدراك ، إلا أن الإلحاح على أهمية العوامل الموضوعية في الإدراك واهمال العوامل الذاتية لاسيما دور العقل ليس له ما يبرره ، فهذا الطرح يجعل من الشخص المدرك آلة تصوير أو مجرد جهاز استقبال فقط مادامت الموضوعات هي التي تفرض نفسها عليه سواء أراد ذلك أو لم يرد ، مما يجعل منه في النهاية مجرد متلقي سلبي منفعل لا فاعل.
التركيب :
بعد عرضنا للموقفين يمكننا القول أن عملية الإدراك تتأثر بعوامل كثيرة منها ما يرتبط بطبيعة الشخص المدرك ، ومنها ما يرتبط بطبيعة الشيء المدرك ، ولن يتم الإدراك إلا من خلال تحالف الشروط الذاتية مع الشروط الموضوعية وهذا ما ذهبت إليه المدرسة الظواهرية التي ترى أن الإدراك هو عملية متعددة الأبعاد ، فهو قائم على التفاعل بين الذات والموضوع ، وهكذا يغدو وعي الإنسان فعلا موجها نحو الخارج عن طريق فكرة القصدية ، أي هناك موضوع وهناك ذاتا تقصده ، وبالتالي لا يفهم الإدراك من خلال ذات دون موضوع ولا موضوع دون ذات ، فكل إدراك هو شعور بموضوع ، وهذا ما قصده هوسرل في قوله : " الشعور دائما هو الشعور بموضوع ما ".
حل المشكلة :
وفي الأخير نستنتج أن الإدراك من الوظائف الأكثر تعقيدا ، وهو عملية تساهم فيها جملة من العوامل بعضها يعود إلى نشاط الذات وبعضها الآخر إلى بنية الموضوع ، وهذا على اعتبار أن هناك تفاعل حيوي بين الذات والموضوع ، فكل إدراك هو إدراك لموضوع ، ولكن على أن يكون لهذا الموضوع خصائص تساعد على إدراكه ، حيث يقول موريس ميرلوبونتي : " إن الإحساس هو ذلك الإتصال الحيوي بالعالم الى يجعله لنا حاضرا بصفته مكانا مألوفا ، ومنه يستمد الموضوع المدرك والذات المدركة سمكها ، إنها نسيج قصدي سعى إلى المعرفة " . فالإدراك لا يعود إلى فاعلية الذات فقط أو إلى بنية الموضوع فحسب ، وهذا من حيث أنه لا وجود لإدراك بدون موضوع ندركه ، ولذلك يمكننا القول أن الإدراك يعود إلى تفاعل مزدوج ودائم بين العوامل الذاتية والموضوعية.