هل يمكن اعتبار التاريخ علما ؟ هل للتاريخ مقعد بين العلوم الأخرى ؟ هل التاريخ ليس علما ؟
مقالة جدلية بكالوريا 2000 شعبة آداب وعلوم إنسانية سابقا.
هل يمكن اعتبار التاريخ علما ؟
هل للتاريخ مقعد بين العلوم الأخرى؟
هل التاريخ ليس علما ؟
هل يمكن أن تكون الأحداث التاريخية موضوعا لمعرفة علمية؟
هل يمكن تحقيق الموضوعية في التاريخ ؟ بكالوريا 1997 شعبة لغات أجنبية هي يستطيع المؤرخ أن يتجاوز العوائق التي تمنعه من تحقيق الموضوعية؟.
طرح المشكلة : تهتم العلوم الإنسانية بدراسة الواقع الإنساني وحوادثه المختلفة من عدة أبعاد فهي تدرسه من حيث هو فرد له ميول ورغبات كما تدرسه من حيث هو عضو في مجتمع يتأثر بعاداته وتقاليده كما تدرسه أيضا من حيث أنه كائن له ماضي يتركه ولهذا فهي تشمل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التاريخ هذا الأخير الذي يعرف لغة بأنه تعريف الوقت، فتاريخ الشيء وقته وغايته. أما اصطلاحا فهو العلم الذي يدرس الحوادث البشرية الماضية، فيدرس أمجاد الأمم السابقة، أو تراجم الشخصيات المختلفة. وقد حاول العلماء والباحثون تطبيق المنهج التجريبي على الظواهر التاريخية، لكنهم واجهوا جملة من الصعوبات. من هنا ظهر خلاف وجدال بينهم فاعتبر البعض أن التاريخ ليس علما لأنه حوادث لا يُمكن ملاحظتها؛ بينما اعتبره البعض الآخر علما قائما بذاته ويمكن دراسته دراسة تجريبية. ومن هنا جاز لنا التساؤل: هل الحوادث التاريخية قابلة للدراسة العلمية ؟ وهل بإمكان المؤرخين التوصل إلى صياغة قوانين تفسر الظواهر التاريخية وتسمح بالتنبؤ بها قبل وقوعها ؟
محاولة حل المشكلة : عرض منطق الأطروحة: يرى بعض الباحثين والعلماء أن الحوادث التاريخية لا يمكن أن تتصف بالعلمية والموضوعية نظرا لطبيعتها الخاصة فهي ترتبط بالماضي فقط ولهذا لا يمكن دراستها دراسة تجريبية بالتالي فالتاريخ ليس جديرا بأن يأخذ مكانه بين العلوم الأخرى وأهم من مثل هذا الاتجاه نجد الفيلسوف الفرنسي ذو النزعة المادية دونيس ديدرو (1713-1784م) Denis Diderot، ومواطنه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926- Michel Foucault (1984.
الحجج والبراهمين:
وقد برروا موقفهم بالحجج التالية: إذ يذهب بعض المفكرين إلى أن الحوادث التاريخية لا تخضع للدراسة العلمية لأن الخصائص التي تقوم عليها الحادثة التاريخية تمثل عائقا أمام تطبيق الأساليب العلمية في دراستها، ومن هذه الخصائص أنها حادثة إنسانية تخص الإنسان دون غيره من الكائنات، واجتماعية لأنها لا تحدث إلا في مجتمع إنساني فالمؤرخ لا يهتم بالأفراد إلا من حيث ارتباطهم وتأثيرهم في حياة الجماعة.
فالحادثة التاريخية حادثة فريدة من نوعها أي أنها لا تحدث إلا مرة واحدة وهي محددة بزمان ومكان وبظروف لا تتكرر؛ الأمر الذي يجعل وضع القوانين أمرا مستحيلا؛ فهي لا تخضع للحتمية التي تقتضي أن نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج مثال ذلك أن غزو فرنسا لتونس واستعمارها يختلف من حيث الزمان والمكان عن غزو فرنسا للجزائر.
الحادثة التاريخية كذلك يتعذر ملاحظتها ملاحظة مباشرة وهذا على خلاف الحادثة العلمية في الظواهر الطبيعية فإنها تقع تحت الملاحظة المباشرة. فالمؤرخ لا يلاحظ إلا أثر الحوادث التاريخية لأن التاريخ كما قيل معرفة بالآثار ولكن الآثار كثيرا ما تكون غير كافية أو مشوهة أو مغلوطة (خاطئة) بالتالي تكون الملاحظة غير دقيقة وغير علمية. وهذا ما دفع بأحد رجال الاقتصاد والمنطق في انجلترا وهو وليام ستنلي جيفونس (1835-1882م) William Stanley Jevons مؤلف كتاب عنوانه: مبادئ العلم إلى القول واصفا التاريخ: "من السخف أن نفكر في التاريخ على أنه علم بالمعنى الصحيح “.
يتعذر إجراء التجارب على الماضي أي أنها غير قابلة لأن تعاد مرة جديدة بطرق اصطناعية مما يؤدي إلى استحالة الوصول إلى القوانين لكي يتأكد من الفرضيات بالتالي انعدام أداة التحقق من الحوادث لهذا لا يمكن للمؤرخ التنبؤ بوقوع الظواهر. وهو ما يجعل المؤرخ بعيدا عن إمكانية وضع قوانين عامة، فالعلم لا يقوم إلا على الأحكام الكلية العامة كما يقول أرسطو: «لا علم إلا بالكليات».
ويقول المفكر والباحث المعاصر محمود قاسم في كتابه المنطق الحديث ومناهج البحث: لقد ضاقت الهوة التي كانت تفصل التاريخ عن العلوم التجريبية لما طبق المؤرخون أساليب التفكير الاستقرائي على بحوثهم .. مثال ذلك أنه لا يمكن قياس حادثة الحرب قياسا كميا كما هو الشأن في قياس تمدد المعادن بالحرارة لأنه قد يكون فيها عامل نفسي مثلا يتعلق بمزاج فائد معين أو بحقد دفين في نفوس المحاربين كما أن المؤرخ لا يستطيع أن يحدث حربا حتى يتأكد من صحة افتراضاته، كما هو الحال في علوم المادة الجامدة.
يرى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Michel Foucault أن سبب تخلف العلوم الإنسانية ومنها التاريخ مقارنة بالعلوم الطبيعية يعود إلى كونها تدرس موضوعا حيا ومنتجا في الآن نفسه، إذ المعرفة المصاغة حوله قد تنطبق عليه في زمان ومكان معينين في حين أنها ستصبح في مكان وزمان آخرين متناقضة معه. حيث يقول في كتابه الكلمات والأشياء: «إن ما يفسر عسر وضع العلوم الإنسانية وهشاشتها وعدم يقينيتها كعلوم، وألفتها الخطرة مع الفلسفة، واعتمادها الغامض على مجالات معرفية أخرى، إنما هو تعقد التشكيل الابستمولوجي الذي تجد العلوم الإنسانية نفسها ضمنه.....».
إضافة إلى انفلات الحادثة التاريخية من الدراسة الموضوعية النزيهة فالمؤرخ إنسان ينتسب إلى عصر معين ومجتمع فهو لا يستطيع رغم اجتهاده أن يكون موضوعيا، فالماضي يعاد بناؤه تبعا لمقتضيات الحاضر ومعطياته وأيضا تبعا لميول وعواطف وخيال المؤرخ، يقول بول فولكيه: إن العالم في مجال العلوم الإنسانية يصبح هو نفسه جزءا من مواد دراسته فهو يؤثر بصورة لاشعورية في دراسة موضوعه، فالمؤرخ الجزائري مثلا الذي يكتب عن تاريخ فرنسا قبل 1962م ليس كالمؤرخ الجزائري الذي يكتب عن تاريخها بعد 1962م ذلك أن نظرته الفرنسا تتغير تبعا للظروف والزمان حيث يقول: ديدرو:« هناك نوعان من التاريخ التاريخ الرسمي الذي يلقن في المدارس والتاريخ الذي تحجبه السياسة».
مقالة جدلية هل يمكن اعتبار التاريخ علما ؟ هل للتاريخ مقعد بين العلوم الأخرى ؟ هل التاريخ ليس علما ؟
النقد والمناقشة:
صحيح أن هذه العوائق موجودة فعلا في الحوادث التاريخية لكن أنصار هذا الاتجاه قد بالغوا في التعصب للمنهج التجريبي وفي النظر إلى التاريخ وكأنه ظاهرة مادية متجاهلين خصوصيته، فالمنهج التجريبي بخطواته الملاحظة، الفرضية، التجربة) مرن في حقيقته ويمكن تكييفه حسب خصوصية الظواهر المدروسة، فالملاحظة المباشرة يمكن استبدالها بالملاحظة غير المباشرة، والتجربة المباشرة تعوضها التجربة غير المباشرة (كالمقارنة مثلا)؛ فحتى العلوم المسماة دقيقة تعتمد على الملاحظة والتجربة غير المباشرتين، ثم أن الدراسة العلمية ليست هي الدراسة التجريبية بالضرورة، فعلم الفلك علم بالمعنى الصحيح الكلمة علم، لكنه ليس تجريبيا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة.
ولا يمكن إنكار الجهود الجبارة التي بذلها المؤرخون في التجرد من الذاتية ومحاولة الدراسة الموضوعية للظواهر التاريخية، فهناك الكثير من المؤرخين استطاعوا أن يكونوا موضوعيين إلى حد ما وأن يتقيدوا بشروط الروح العلمية وهي جملة الخصائص والخصال الأخلاقية والمعرفية التي توجه البحث العلمي ويتصف بها كل عالم منها الموضوعية، الأمانة والصبر والمثابرة والتواضع والتحلي بالروح الوضعية.
عرض نقيض الأطروحة:
في المقابل يرى الاتجاه المعاصر المتشبع بالروح العلمية أن الظواهر التاريخية يمكن أن تتصف بالعلمية والموضوعية وأنه يمكن دراستها دراسة تجريبية لكن مع مراعاة طبيعتها الخاصة المتعلقة بالماضي وأهم هؤلاء نجد العلامة عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406م)، والمؤرخ الفرنسي إرنست رينان (1890-1823) Ernest Renan.
الحجج والبراهين:
وقد برروا موقفهم بالحجج التالية: فقد ساهم بن خلدون في وضع أسس لتقريب التاريخ من الحقائق العلمية، وحدد منهجية ذلك، بعد أن تقصى أسباب الكذب في كتابة التاريخ من خلال نظرته النقدية لما وجده في القرن 13 من أخطاء عند الباحثين الأولين (منهج الرواية)، وأهم أسباب ومصادر الكذب في التاريخ حسب بن خلدون التشيعات للآراء والمذاهب فالتشيع لمذهب ما يكون حاجزا بين الباحث والحقيقة التي يطلبها، وأيضا الثقة بالناقلين فناقل الخبر نفسه معرض للخطأ والنقل . عنه يكون امتدادا للخطأ. يقول بن خلدون: «لما كان الكذب متطرفا للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه، فمنها التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته 195 حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه».
وقد استعان المؤرخون المعاصرون بمنهج خاص يقترب من المنهج التجريبي يقوم على مرحلتين: 1- مرحلة التحليل التاريخي: يقوم فيها المؤرخ بجمع المصادر والوثائق والمستندات التي تشير إلى الحادثة التاريخية وهي أنواع كثيرة تلخص عادة في فئتين:
أ- المصادر غير الإرادية (غير المباشرة) : التي لم يتدخل قصد ولا نية في صناعتها والاحتفاظ بها كالأبنية الأثرية وبقايا المدن والمدرجات والمدافن من العصور السابقة والنقود والأسلحة والأوسمة والتراث الفكري والأدبي، حيث يقول المؤرخ الفرنسي شارل سينيوبوص (1854-1942م) Charles Seignobos: لا وجود للتاريخ دون وثائق وكل عصر ضاعت وثائقه يظل مجهولا إلى الأبد».
ب- المصادر الإرادية (المباشرة ) : التي احتفظ بها الناس قصدا لتكون شاهدا عليهم وهي إما شفهية كالروايات المتناقلة والقصص، وإما كتابية ككتب التاريخ والسجلات والوثائق الرسمية والصور الصادرة عن مؤسسات حكومية أو جهات رسمية، والسجلات الشخصية؛ كالسير الذاتية والوصايا والمذكرات. ويبقى على المؤرخ أن يتحقق من صدق المصادر الإرادية وتجردها من كل طابع شخصي.
تابع باقي المقالة.