في تصنيف تعليم بواسطة (1.4مليون نقاط)

دافع عن صحة الأطروحة القائلة: الحقيقة واحدة وثابتة؟

شعبة آداب وفلسفة 2024

دافع عن صحة الأطروحة القائلة: "الحقيقة واحدة وثابتة"

مقدمة:

ليس ثمة أهم من البحث عن الحقيقة فهي أقصى ما يريده الإنسان ضمن هذه الحياة، فلقد طال وكثر النقاش حولها قديما وحديثا ومعاصرا إذ لم تتفق التصورات على تحديد تعريف لها نتيجة تعدد وجهات النظر الفلسفية، فهي تأخذ عدة معاني منها أنها مطابقة التصور أو الحكم للمعاني العقلية الفطرية أو للواقع الحسي، ومن هنا حول طبيعة الحقيقة، فقد شاع الاعتقاد لدى بعض الفلاسفة والعلماء من جعلها منها وسيلة نفعية وعملية وتحقق وجودي فهي نسبية تعرف بتأثيراتها ونتائجها فقط، ولكن هناك فكرة أخرى تنقضها في الرأي وترى بأن قيمة مطلقة في ذاتها تسعى الإنسانية للوصول إليها كغاية عامة كلية متعالية وهذا ما يدفع بنا إلى طرح الإشكال التالي: كيف يمكن الدفاع عن صحة الأطروحة القائلة: الحقيقة مستقلة عن الزمان والمكان بمعنى قائمة بذاتها وواحدة؟.

عرض منطق الأطروحة:

يعتقد فريق من الفلاسفة والمفكرين عبر مراحل تاريخية أن الحقيقة المطلقة وثابتة وقائمة بذاتها مفارقة للواقع ويسعى إليه الفرد طالما هذا الإنسان يملك عقلا مفكرا، ومن بينهم أفلاطون، ارسطو، ديكارت، حيث نجد أفلاطون قديما يميز بين عالمين عالم المحسوسات وعالم المثل ، فالأول يمثل العالم المادي المحسوس المتغير، وموجوداته هي بمثابة ظلال و اشباح لعالم المثل، وهدا أيمتاز بكونه عالم معقول و ثابت کامل، وفيه توجد النماذج العليا لكل موجوداته كما أنه خاص بالموهوبين و لا تدركه الأبصار وفيه يعاين الفيلسوف سلسلة من المثل كالخير والجمال المطلقين والدائرة الكاملة ، لهذا كانت الحقيقة المطلقة مجسدة في الفكر الى ينتقل بنا من الأدنى إلى الأعلى أو من المحسوس إلى المجرد ، وقد جاء أفلاطون بنظرية المثل لهذا يقول أفلاطون في ذات السياق " الحقيقة توجد في عالم المثل"، أما تلميذه أرسطو يؤكد على صفة المطلقة بالنسبة للحقيقة ، إلا أنه يختلف مع أستاذه أفلاطون في الاعتقاد بوجود حقيقة ثابتة مفارقة لهذا العالم، فكل شيء فيه عبارة عن جوهر ماهية و صورة، و الجوهر هو الحقيقة الثابتة التي يجب على المفكر أن يصل إليها و ادركها في شكلها المطلق، لأنه حقيقة لا حقيقة فوقها، فلكي يوجد الشيء لا بد له من جوهر كنقطة بداية، هذا الشيء الجزئي المفرد الموجود خارج العقل الذي له صفة مادية لا بد أن توجد له صورة ، والبرهان العلمي لوجود الأشياء يخضع إلى معرفة استقرائية، أي معرفة بالجزئيات ، والمعرفة الحسية لا تخطئ الحكم الصادق ما دام البرهان العلمي يعتمد على الشيء الظاهر و كان هذا الأساس تساءل كيف تمت هندسة الكون الواسع بإشكال لا نهاية لها وهو لا يقبل أن تكون الحركة بلا بداية فلا بد أن يكون الحركة مصدر و هو الله المحرك الأكبر فهو لا يتحرك وهو كائن غير مرئي لا يتغير أنه السبب النهائي للطبيعة والقوة الدافعة للأشياء وأهدافها ولهذا كانت الحقيقة عند أرسطو " تمكن في المحرك الذي لا يتحرك ويقصد بالمحرك الله الذي يمثل جوهر الوجود، وفي الفكر الحديث يعتقد ديكارت لا يعترف روني ديكارت بالتجربة الحسية وجعل من الشك الطريق الأساسي لبلوغ الحقيقة ووسيلة ذلك العقل نفسه فالحقيقة عنده هي ما لا ينته إليه الشك، وعلى هذا الأساس لا يكون الحقيقي إلا ما هو واضح وبديهي ومتميز أو بتعبير آخر إن معيار الحقيقة تتلخص في الدلالة والوضوح، ومن هذا المنطلق يمكن فهم كوجيتو ديكارت : "أنا أفكر أنا موجود فخاض في التفكير هي حقيقة الوجود البشري حسب ديكارت فإذا توقف الإنسان عن التفكير توقف عن الوجود، لهذا نجده يؤكد على أن الحكم الصادق يحمل في طياته معيار صدقه وهو الوضوح الذي يرتفع فوق كل شيء ويتجلى هذا في البديهيات الرياضية التي تبدوا ضرورية وواضحة بذاتها كقولنا أن الكل أكبر من الجزء وهو القائل أن الأشياء التي نتصورها تصورا بالغ الوضوح والتمييز هي صحيحة كلها، لهذا يقول ديكارت: "إني أشك ولكن ما لا أستطيع الشك فيه هو أنني أفكر أثناء عملية الشك".

عرض منطق الخصوم:

وللأطروحة السابقة ذكر الخصوم والمعارضين، أن الحقيقة نسبية متغيرة ومتعددة مرتبطة الزمان والمكان ليست غاية في ذاتها بل هي وسيلة نفعية ومصلحية مرتبطة بالوجود النفعي والعياني، وأهم من طرح هذا التوجه الفلسفي قديما وحديثا ومعاصر، نجد السفسطائية البراغماتية والوجودية، وأنصار اللاحتمية والرياضيات المعاصرة اللاإقليدية، حيث يستندوا هؤلاء إلى مجموعة من أدلة وحجج في إثبات موقفهم، أن الحقيقة ذات طابع نسبي متغير قد تأتي هذه المعارف في غالب الأحيان على أنقاض معارف غير حقيقية أخذ بها لسنوات فالحقيقة النسبية متغيرة بحسب الزمان والمكان واختلاف الأمم والشعوب، حيث ترى الحركة السوفسطائية وهم مجموعة من معلمين في أثينا، بأن الحقيقة نسبية ومتغيرة تختلف من شخص إلى آخر حسب كل فرد وطبيعته لهذا يقول بروتاغورس: "الإنسان" مقياس لكل شيء"، إن الفرد يدرك المعرفة بحواسه النسبية المتغيرة، ولذلك فالمعرفة سوف تصبح نسبية أيضا، فلا يوجد معيار ثابت للحقيقة أو الصواب والخطأ، لذلك أكد على أنه ما يراه أي فرد بأنه حق فهو حق بالنسبة له وما أراه باطل فهو باطل بالنسبة لي.

كما تعد القيم الاجتماعية حقائق نسبية تفقد سلطتها بمجرد الخروج من الحدود الجغرافية، ويرى أينشتاين أن الحقائق التي أفرزها العلم تتضمن نسبة من الخطأ جعلتها عرضة للشك والظن سواء في الرياضيات وفي علوم المادة حيث تجد الحقيقة النسبية، وتعزيزا لهذا الموقف فتطور الرياضيات من المفهوم الكلاسيكي الذي ينطلق من البديهيات والتعريفات التي تؤسس لصدقها صدقا عقليا جعل هذا المفهوم يتلاشى ويضمحل أمام الرياضيات الحديثة التي أدحضت كل : تلك المبادئ الرياضية العقلية وانجز عن ذلك رياضيات حديثة تمثلت في هندسة لوباتسوفسكي وريمان فقد تراجع الرياضيين المحدثين عن العديد من المبادئ كالبديهيات التي تحمل مفاهيم اللانهاية، والتعريفات التي طالما اعتقد بأنها معرفة مطلقة، لهذا يقول أوسكار وايلد من النادر أن نجد الحقائق نقية ومن المستحيل أن تكون بسيطة"، و يؤكد البراغماتيون على نسبية الحقيقة من مقياس المنفعة، فالحقيقة الشيء تكمن في كل ما هو نفعي عملي ومفيد في تغيير الواقع والفكر معا وفي هذا يقول وليام جيمس يقوم الصدق بكل بساطة فيما هو مفيد لفكرنا وصائب وفيما هو صائب لسلوكنا، فلا وجود لحقيقة ثابتة لأن الحقيقة هي ما يتحقق في الواقع و هذا الواقع يتغير باستمرار ، يقول جيمس: "إن الناس يعتقدون في القرون الماضية أن الأرض مسطحة ونحن نعتقد اليوم أنها مستديرة، إذن الحقيقة تغيرت وأنت ربما تقتنع بهذا القول ولا يقتنع به غيرك".

نقد موقف الخصوم:

لكن هذه التصورات قد بالغت كثيرا في تمجيد النسبية، فالمعارف السابقة ليست كلها خاطئة، وتاريخ العلم يؤكد على أن العلماء توصلوا إلى معارف جديدة انطلاقا مما هو سائد سابقا لأن تاريخ العلم حلقات متصلة والعالم لا يمكنه أن ينطلق من العدم، ويزيد هذا الموقف عيبا هو أن جميع الفلاسفة الذين تبنوا فكرة نسبية الحقائق يجمع بينهم التناقض وهذا راجع إلى الاختلاف في المرجعيات ونسق كل فيلسوف فأين نجد نسبية الحقائق في ظل التباين، أما بالنسبة للوجودية فهي تعبر عن أزمات النفسية للفرد فقط حتى بالغت في تقديس الوجود الداخلي للفرد وإهمال واقعه.

الدفاع عن الأطروحة بحجج شخصية جديدة:

وهذا ما يدفع بنا إلى الدفاع عن الأطروحة القائلة الحقيقة مطلقة وواحدة بحجج شخصية حيث ويعتقد الهولندي اسبينوزا، أن الحقيقة معيار ذاتها فهي لا تحتاج إلى دليل منطقي ولا إلا تجربة تؤكدها، فهي فكرة أولية صحيحة، لا يشك فيها قائمة بذاتها، فهي نور يضيء الأشياء دون أن تحتاج إلى شيء يضيئه، لهذا يقول: "ليس هناك معيار للحقيقة خارج الحقيقة"، والفكرة لا تكون صادقة إلا إذا كانت مطلقة تفرض نفسها على الجميع، نجد المتصوفة يعتبرون الحقيقة المطلقة هي الحقيقة المصوفة باعتبارها شعور يستولي على المتصوف عند بلوغ الحقيقة الربانية المطلقة عن طريق الحدس و يصل المتصوف الى هذه الحقيقة بعدة طرق فقد تكون من عن طريق الفناء، لهذا يقول أبو حامد الغزالي: "الحقيقة هي إشراق روحي".

خاتمة:

وفي الآخر وبالاعتماد على كل ما سبق ذكره بأن الأطروحة القائلة أن حقائق كلها ثابتة وواحدة مستقلة عن الواقع، هي صحيحة مشروعة لأن الحقائق لها إدراك عقلي مجرد، وهي أقصى ما يطمح إليه الإنسان وأبعد ما يستطيع بلوغه الإنسان.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (1.4مليون نقاط)
 
أفضل إجابة
دافع عن صحة الأطروحة القائلة: الحقيقة واحدة وثابتة؟

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى تفوقنا، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...