هل يمكن دراسة الحادثة التاريخية دراسة علمية موضوعية؟
هل يمكن تحقيق الموضوعية في الدراسة التاريخية؟
مقدمة:
إن التقدم والتطور الذي حققته الدراسة التجريبية، وما أحرزته من نجاح في علوم المادة الجامدة، جعل منها نموذجا لكل معرفة تسعى لتحقيق الدقة والموضوعية، خاصة بعد اقتحام هذا المنهج التجريبي ميدان البيولوجيا وتذليل عقباتها، مما شجع على توسيع نطاق بحثه، وطرح إمكانية تطبيقه على ميدان آخر، هو عالم الحوادث التاريخية، فالتاريخ من حيث التعريف اللغوي معرفة بالوقت أما اصطلاحا جملة الأحداث البشرية الماضية التي تركها الإنسان غير أن خصوصيته التي تميزه عن خصوصية المادة الجامدة خصوصا أنهم جملة حوادث بشرية حدثت في الماضي خلقت جملة من العوائق الابستيمولوجية وكذلك المنهجية التي حالت بين العلماء وبين تطبيق هذا المنهج وهذا ما أثر جدلا بين الفلاسفة وعلماء التاريخ حول امكانية تطبيق المنهج التجريبي على الحادثة التاريخية فحدهم يؤكد استحالة تطبيق هذا المنهج فيما يذهب طرف آخر نقيض بتأكيده أنه يمكن أن يكون التاريخ علما بتطبيق المنهج التجريبي على موضوعاته، وهذا ما يدفع بنا إلى طرح الإشكال التالي: هل يمكن دراسة الحادثة التاريخية دراسة علمية موضوعية ؟
الموقف الأول:
يؤكد أنصار الموقف الأول الذي يمثله العديد من الفلاسفة والمفكرين، أمثال دنیس دیدرو ميشال فوکو ،هرونشو جيل غاستون، أن الحوادث التاريخية لا يمكن أن تتصف بالعلمية والموضوعية نظرا لطبيعتها الخاصة فهي ترتبط بالماضي فقط ولهذا لا يمكن دراستها دراسة تجريبيه وبالتالي فالتاريخ ليس جديرا بأن يأخذ مكانه بين العلوم الأخرى، لهذا يقول هرونشو من السخف أن نفكر في التاريخ كعلم بالمعني الصحيح"، كما أنه أيضا يتعذر إجراء التجارب على الماضي لأنها غير قابلة لن تعاد من جديد بطرق اصطناعية مما يؤدي الى استحاله الوصول إلى القوانين لكي يتأكد العالم من الفرضيات بالتالي انعدام أداه التحقق من الحوادث لهذا لا يمكن للمؤرخ التنبؤ بوقوع الحوادث وهو ما يجعل المؤرخ بعيدا عن امكانيه وضع قوانين عامه فالعلم لا يقوم إلا على الأحكام الكلية العامة كما يقول أرسطو " لا علم الا بالكليات"، الظواهر التاريخية لا يمكن أن تتصف بالموضوعية ولا بالعلمية، لأنه يتعذر ملاحظتها مباشرة لأنها حوادث ماضية و فريدة من نوعها، كما يتعذر إجراء التجارب على الماضي، مما يعني انعدام أداة التحقق، وهذا ما يجعل من القوانين التاريخية مجرد افتراضات لا دقة ولا يقين فيها، ولأن ذاتية المؤرخ وعقيدته وانتمائه تتدخل في عملية التاريخ كتابة التاريخ، فإن الدراسة التاريخية تفقد روح الموضوعية.
ويبررون موقفهم بكون " الإنسان هو الباحث وموضوع البحث في نفس الوقت"، فالمؤرخ جزء من حوادث التاريخ التي يدرسها علم التاريخ، ويقول دنيس ديدرو "هناك نوعان من التاريخ التاريخ الرسمي الذي يلقن في المدارس، والتاريخ الفعلي الذي تحجبه السياسة"، كما يصعب تطبيق الحتمية على التاريخ، أو التنبؤ بمستقبله، فأي معنى لعلم يعجز عن ضبط ظواهره، فمثلا المؤرخ الفرنسي يكتب للثور الجزائرية على أنها ثوره همج واعتبرها البعض من المؤرخين الفرنسيين على أنها إرهاب وبالتالي ليست هناك نظره موضوعية وهذا ما اكده أدوار سعيد في كتابه المثقف والسلطة.
نقد الموقف:
صحيح أن هذه العوائق موجودة فعلا في الحوادث التاريخية لكن أنصار هذا الاتجاه قد بالغوا في التعصب للمنهج التجريبي وفي النظر الى التاريخ وكأنه ظاهره مادیه متجاهلين خصوصيته فالمنهج التجريبي بخطواته الملاحظة الفرضية التجربة، في حقيقته ويمكن تكييفه حسب خصوصيه الظواهر المدرسة فالملاحظة المباشرة يمكن استبدالها بالملاحظة الغير مباشره والتجربة المباشرة تعوضها التجربة الغير مباشره كالمقارنة، ومهما كان ألا يمكن أن يتحلى المؤرخ بالنزاهة والروح العلمية.
هل يمكن دراسة الحادثة التاريخية دراسة علمية موضوعية؟
الموقف الثاني:
خلاف ما ذهب إليه الموقف الأول يؤكد البعض الآخر من الفلاسفة والعلماء أمثال ابن خلدون وأرنست رينان جان باتيستا فيكو، في مجال علم "التاريخ" يمكن دراسة الحادثة التاريخية و فهمها من مقياس تجريبي انطلاقا من الآثار و المصادر هياكل القصور والمساجد والكنائس والمذكرات و المقالات الصحفية و المجلات اليومية و الأسبوعية، والمؤلفات الفكرية والكتب التاريخية ... إلخ) التي تعبر عنها، والبحث عن أسباب الحادثة التاريخية و إحياءها من خلال مصادرها، وتحديد بداية الحادث، وقراءتها قراءة متسلسلة، و مقارنتها مع حوادث تاريخية أخرى، ويعتبر "ابن خلدون" أول من وضع الأسس المنهجية للدراسة التجريبية للحوادث التاريخية، وتذليل عقباتها عندما فسر أخطاء المؤرخين و أصر على ضرورة إحاطة المؤرخ بطبائع (القوانين) العمران البشري الاجتماع) لأن التاريخ يبدو في ظاهره أخبارا تروى، ولكنه في باطنه علم من علوم الحكمة يرمي إلى معرفة الأحداث التاريخية (الاجتماع)، ولهذا يجب التحلي بروح النقد التاريخي، حيث يقول : " إن النفس إذا كانت على حال من الإعتدال في قبول الخبر، أعطته حقه في التمحيص والنظر"، ومن جهة أخرى كما نجد أيضا كل من جان باتيستا فيكو الإيطالي، و أرنست رينان الفرنسي من رواد علم التاريخ الذين يؤكدون على علمية التاريخ، ولعل "قانون الدورة التاريخية"، عند "فيكو" يدل على الدراسة العلمية للتاريخ، ومبدأ " النقد التاريخي" عند "رينان" يدل على الشك في أحداث التاريخ من جهة موضوعتها، ولذلك فالمنهج الاستقرائي في التاريخ القائم على جمع الآثار والمصادر، ثم تحليلها و نقدها، ثم تركيبها والكشف عن أسبابها يدل على علمية التاريخ، فكما يقول "بول ريكور : " إن معرفة الإنسان بالتاريخ ليست معطى جاهزا، بل يتم بناؤها بواسطة منهج ينشئه المؤرخ انطلاقا من استنطاق الآثار، و مساءلة الوثائق".
نقد الموقف:
لا شك أن علم التاريخ قد تجاوز الكثير من الصعوبات التي كانت تعوقه وتعطله ولكن لا يجب التسليم بان الدراسات التاريخية قد بلغت مستوى العلوم الطبيعية في دقه النتائج وتطبيق المنهج، لكن التاريخ فهو مزيف - كما قال أحد المفكرين الفرنسيين - لأنه يكتب من طرف الأقوياء والمنتصرين حسب وجهات نظرهم وأيديولوجياتهم ذاتية المؤرخ، فبأي معنى يبقى للمنهج العلمي دقته إذا عجز علماء الإنسان.
التركيب:
وتركيبا لهذا الجدل الفلسفي والعلمي بين الموقفين( التوفيق بين الرأيين)، أن التاريخ علم لكنه ليس علما دقيقا تجريبيا لأن للحادثة التاريخية خصائصها مثل ما للظاهرة الحية أو الجامدة خصائصها وهذا يقتضي اختلافا في المنهج من هنا أصبح التاريخ علما من نوع خاص اذ يبحث عن الوسائل العلمية التي تمكنهم من فهم الماضي وتفسيره.
خاتمة:
نستنتج من كل ما سبق تحليله أن وجود عوائق وصعوبات أثناء البحث العلمي المتعلق بالحوادث التاريخية، لكي يصبح التاريخ علما على المؤرخين أن يلتزموا بخصائص الروح العلمية والاقتراب من الموضوعية وأيضا مراعاة طبيعة الحوادث التاريخية التي ترتبط بالماضي فالتاريخ رغم كل الصعوبات التي واجهته استطاع ان يجد منهجا خاصا به يحقق له العلمية المنهج يختلف عن المنهج التجريبي الذي تستعمله العلوم الفيزيائية والطبيعية.