هل ترتد المفاهيم الرياضية كلها إلى مدركاتنا الحسية أم تعود في أصلها إلى العقل المجرد؟
الأسئلة الفرعية:
هل أصل الرياضيات عقلي تجريدي أم حسى تجريبي ؟
هل الرياضيات ذات طبيعة تجريدية أم تجريبية ؟
طرح المشكلة :
من أهم المباحث الفلسفية الثلاث نجد مبحث المعرفة وهو مبحث يهتم عموما بالبحث في مصدر المعرفة ومناهجها ، وينقسم بدوره إلى جملة مباحث منها مبحث فلسفة العلوم والذي يهتم بدراسة قضايا العلم ونتائجه، وعليه يعرف بعض الفلاسفة فلسفة العلوم بأنها دراسة حول العلم ونقاش المختلف النظريات القديمة والحديثة في شتى المجالات العلمية . ومن بين أهم المشكلات العلمية التي طرحتها فلسفة العلوم مشكلة أصل الرياضيات ، ولقد برز جدال واسع بين الفلاسفة والمفكرين حول مصدر المفاهيم الرياضية ، حيث ذهب البعض إلى اعتبار الرياضيات ذات أصل عقلي تجريدي متعالي ، بينما ذهب البعض إلى اعتبار أن الرياضيات ذات أصل حسي تجريبي ، فإذا كان لكل شيء أصل ولكل علم مصدر فما أصل الرياضيات ( هذه الصناعة المجردة ) وما مصدر مفاهيمها ؟ هل ترتد كلها إلى مدركاتنا الحسية وما ينطبع في أذهاننا من صور استخلصناها من العالم الخارجي ؟ أم تعود في أصلها إلى العقل المجرد ؟
محاولة حل المشكلة :
الموقف الأول :
يرى الفلاسفة العقلانيون والمثاليون أنه بإمكان الإنسان الوصول إلى تحقيق معارف جوهرية ( كاملة ) عن طريق العقل دون الاستناد إلى التجربة الحسية ، فالعقل يتوفر بطبيعته على أفكار ومبادئ قطرية ( تولد مع الإنسان ) ، موجودة فيه بصورة قبلية سابقة عن التجربة الحسية تتمتع بالبداهة والوضوح ( الشيء البديهي شيء واضح يفهم عقلا ولا يحتاج إلى برهنة تجريبية ) ، والعقل لما كان يتميز بعدة صفات في أحكامه وهي : الضرورة ، الكلية ، المطلقية ، أي أن كل ما يصدر عن العقل من معاني ومفاهيم يعتبر ضروريا وكليا ومطلقا ، وهي صفات توجد كذلك في قضايا الرياضيات ومنه على أساس علاقة التعدي ، فإن الرياضيات أصلها العقل ، فالمقصود بالمطلقية هو الدقة في أحكام العقل والثبات وهذه خاصية توجد في الرياضيات ، أما الكلية فتعني أن أحكام العقل شاملة و مشتركة بين جميع الناس و لا اختلاف فيها وهذه الأخرى خاصية تجدها في أحكام الرياضيات إذ لا اختلاف فيها ، ويقصد بالضرورة أن العقل يطابق بين مقدماته ونتائجه بالضرورة ولا يقبل التناقض فيها ، وكذلك الرياضيات فهي علم يقوم على الاستنتاج ، أي استخراج نتائج تتطابق بالضرورة مع مقدماتها ، وعليه فالعلم الإنساني لا يأتي من الخارج إلى العقل، بل ينبع من العقل ذاته ، ولهذا فقد اختزل الفلاسفة العقلانيون الرياضيات في أنها جملة من المفاهيم المجردة التي لا يمكن تحققها إلا في العقل ( مثال : مفهوم المستقيم ، النقطة، المجموعات ...) فمفاهيم العدد والمكان الهندسي واللانهائي ، و الأكبر والأصغر ، كلها معان رياضية عقلية لا يمكن إيجاد مقابلات لها في الواقع المادي ( الحسني ) . ومن أنصار هذا الموقف نجد عددا من الفلاسفة العقلانيين والمثاليين أمثال ( أفلاطون ، ديكارت ، كانط ) ، حيث يرى ( أفلاطون ) أن أصل الرياضيات هو عالم المثل أو ( عالم الحقائق الأزلية ، المطلقية ، الثبات ، الخلود ، عالم غير مرئي ، عالم فيه كل شيء يقيني ، وهو عالم منفصل عن المادة ، فهو عالم للروح والمعاني والتصورات ) ، وحسب أفلاطون أن العقل كان يعيش في عالم المثل وكان على علم بكافة الحقائق بما فيها المعاني الرياضية كالأعداد والخطوط والأشكال التي هي أزلية وثابتة مثل المستقيم والدائرة والتعريف الرياضي ، لكنه عند مفارقته لهذا العالم المثالي وهبوطه إلى العالم الحسي نسي أفكاره وكان عليه أن يتذكرها ويدركها وذلك لا يحدث إلا بالعقل ، والذي يعتبره أفلاطون ملكة التذكر ، حيث يقول : " عالم المثل مبدأ كل موجود ومعقول وأن المعرفة تذكر والجهل نسيان " ويقول أيضا . " ليست مهمة العلم الرياضي خدمة التجار في عملية البيع والشراء كما يعتقد الجهال ، بل تيسير طريق النفس في انتقالها من دائرة الأشياء الفانية إلى تأمل الحقيقة الثابتة الخالدة " وعليه استند أفلاطون في تأسيس رؤيته إلى نظريته في المعرفة والوجود ، حيث اعتقد مسبقا أن المفاهيم الرياضية في خصائصها ثابتة وأزلية ومطلقة ومن هذا يحكم بانتفائها في العالم الحسي لأنه فاني ونسبي ومتغير على الدوام، فهي في أصلها موجودة في عالم المثل منذ الأزل وحقائق هذا العالم مطلقة وثابتة وأزلية ، ومثال ذلك أننا عندما نقول خمسة أقلام ، فنحن نرى الأقلام فقط و لكن لا نرى العدد 05 فهو مفهوم عقلي بحث ، وبالتالي ما هي إلا جملة أشكال هندسية ويتم إدراكها عن طريق العقل و ذلك من خلال قدرة أو ملكة التذكر وقد برهن أفلاطون على وجود عالم المثل من خلال أسطورة الكهف والتي قسم من خلالها العالم إلى قسمين : عالم مثالي يدرك بالعقل ، وعالم واقعي خاضع للتوهم الحسني وهو عالم مزيف لا وجود لحقائق ثابتة ومعارف صحيحة به ، ومن جهة أخرى قسم أفلاطون المعارف إلى أربعة اقسام : معارف عقلية ، معارف رياضية ، معارف ظنية ، ومعارف حسية.
و قد حاول إثبات الأصل العقلاني للرياضيات كونها مفاهيم فطرية وذلك من خلال محاورة مینون ( فـ مينون عبد جاهل لا يعرف شيئا من المعارف الرياضية لكن بقليل من التحفيز والمساعدة يمكن أن يقدم لنا تعريفا للمثلث ، المربع .... فهو يستعيدها من العقل لا من التجربة الحسية ) . وفي نفس الإطار يرى الفيلسوف الفرنسي ) رونيه ديكارت ) أن المفاهيم الرياضية فطرية أودعها الله فينا حيث يقول في كتابه ( التأملات ) : " المعاني الرياضية أفكار فطرية أودعها الله فينا منذ البداية " وما يلقيه الله فينا من أفكار لا يعتريه الخطأ ، وأن هذه المفاهيم تتميز بالبساطة والوضوح واليقين ، فمفهوم اللانهائي مثلا لا يمكن أن يكون نابعا من التجربة الحسية لأن هذه الأخيرة متناهية. وهو يتحقق في العقل فقط عن طريق التصور والتخيل ولما كان العقل كما يقول ديكارت . " إن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس " ، فإن المفاهيم الرياضية لا اختلاف فيها ، بل هي شاملة لجميع العقول ) كفكرة أو بديهية الكل أكبر من أحد أجزائه ، أو العد 4/3/2/1/ أو الرموز الرياضية + + + (f(x .... الخ . ويقدم ديكارت حجة أخرى يؤكد من خلالها أن العقل هو مصدر المفاهيم الرياضية ، هي أن كل المفاهيم الرياضية مفاهيم مجردة ( لا علاقة لها بالمادة ( مثل الكثير من العلاقات الحسابية والجبرية، وفكرة الدوال و المعادلات ... هي بالنسبة لديكارت مفاهيم لا توجد إلا بالعقل ولا علاقة لها بالتجربة وبالأشياء المحسوسة ، ولما كانت الرياضيات تبدأ من البديهيات لتصل إلى الاستنتاج أو الإحصاء ، فهي لا تقوم في براهينها إلا على التحليل والتركيب ، وهما عمليتان عقليتان ، وبالتالي استحالة أن يكون مصدر المفاهيم الرياضية الواقع الحسي و التجريبي . أما الفيلسوف الألماني ( إمانويل كانط ) فيرى في كتابه ( نقد العقل الخالص ) أن الرياضيات أكثر العلوم دقة ويقينا باعتبارها علما يقوم على دراسة المقادير الكمية ) كم متصل : هندسة ، كم منفصل جبر ) ، وهي مفاهيم لا يمكن تحققها إلا في إطار العقل ، فالكم المتصل ( الهندسة ) و الذي يعمل أساسا على مفهومي الزمان والمكان، وهما مفهومان مجردان فطریان و قبليان وليس مشتقين من الإحساسات أو مستمدين من التجربة ، بل إن مفهوما الزمان والمكان المطلقان العقليان هما أساس العلم الرياضي فالزمان يقدر بالجبر والمكان بالهندسة ، وعليه فالمفاهيم الرياضية مفاهيم فطرية أصلها العقل وليست مستمدة من التجربة بل هي منزهة عن ذلك . ولهذا عندما كانت الرياضيات معطى عقليا كانت من حظ الإنسان دون غيره من الأنواع الحيوانية الأخرى التي تشترك معه في الجهاز الحسي وهذا نتيجة امتلاكه للعقل ، إضافة إلى ذلك نجد أن المفاهيم الرياضية التي تجسدها على الواقع أو الورقة أو أي سطح هي مظهر من الصورة الحقيقية الموجودة في العقل ، فالدائرة المرسومة ليست هي الدائرة بالمعنى الحقيقي ، أي أن كل مفهوم رياضي ليس له ما يقابله في الواقع الحسي ، فإذا لم نقل بالطابع العقلي لها كان كل مفهوم يوجد في الذهن له ما يقابله في الواقع الحسي وهذا يخالف الواقع ، فمفهوم الدائرة يصدق على ما لانهاية من الأشياء ، وهذا كله راجع إلى أن الرياضيات قضاياها مجردة علاقاتها في منأى عن أي تغيير مثل + . - ... الخ ، وهذا تأمل خاص يتسم بالصورية والتجريد ، وخال من التناقض الشيء الذي من شأنه أن يجعل الرياضيات تتسم بالصدق واليقين، كما أن ظهور الهندسة اللإقليدية أكدت الطابع العقلي للرياضيات ، حيث نجد هذه الأخيرة صحيحة وصادقة رغم أن بناءها قائم أساسا على الاقتراض الذي يجسد ارتباط الصدق فيها بعدم تناقض النتائج مع المقدمات داخل النسق ، وما هذا إلا نشاط ذهني.
نقد وتقييم :
لكن أنصار المذهب العقلي قد بالغوا في ردهم المفاهيم الرياضية إلى العقل وحده . ذلك أن للتجربة دور كبير في نشأتها وخير دليل على ذلك التطور الكبير الذي عرفته الهندسة في مقابل الجبر لأنها تطبيق على أرض الواقع ، ومما لا شك فيه أن للعقل دورا في تطوير المفاهيم الرياضية ، لكن هذا لا يعني أنها نابعة منه ، فلو كان الأمر كذلك لوجدناها لدى جميع الناس ولحصلت عندهم دفعة واحدة دون الحاجة إلى تعلمها ، كما أن الواقع يؤكد بأن الطفل لا يدركها بطابعها المجرد ولا يفهم المعاني الرياضية إلا إذا استعان بأشياء محسوسة كالأصابع مثلا.