في تصنيف تعليم بواسطة (1.4مليون نقاط)

هل ترتد المفاهيم الرياضية كلها إلى مدركاتنا الحسية أم تعود في أصلها إلى العقل المجرد؟

الأسئلة الفرعية:

هل أصل الرياضيات عقلي تجريدي أم حسى تجريبي ؟ 

هل الرياضيات ذات طبيعة تجريدية أم تجريبية ؟

طرح المشكلة :

من أهم المباحث الفلسفية الثلاث نجد مبحث المعرفة وهو مبحث يهتم عموما بالبحث في مصدر المعرفة ومناهجها ، وينقسم بدوره إلى جملة مباحث منها مبحث فلسفة العلوم والذي يهتم بدراسة قضايا العلم ونتائجه، وعليه يعرف بعض الفلاسفة فلسفة العلوم بأنها دراسة حول العلم ونقاش المختلف النظريات القديمة والحديثة في شتى المجالات العلمية . ومن بين أهم المشكلات العلمية التي طرحتها فلسفة العلوم مشكلة أصل الرياضيات ، ولقد برز جدال واسع بين الفلاسفة والمفكرين حول مصدر المفاهيم الرياضية ، حيث ذهب البعض إلى اعتبار الرياضيات ذات أصل عقلي تجريدي متعالي ، بينما ذهب البعض إلى اعتبار أن الرياضيات ذات أصل حسي تجريبي ، فإذا كان لكل شيء أصل ولكل علم مصدر فما أصل الرياضيات ( هذه الصناعة المجردة ) وما مصدر مفاهيمها ؟ هل ترتد كلها إلى مدركاتنا الحسية وما ينطبع في أذهاننا من صور استخلصناها من العالم الخارجي ؟ أم تعود في أصلها إلى العقل المجرد ؟

محاولة حل المشكلة :

الموقف الأول :

يرى الفلاسفة العقلانيون والمثاليون أنه بإمكان الإنسان الوصول إلى تحقيق معارف جوهرية ( كاملة ) عن طريق العقل دون الاستناد إلى التجربة الحسية ، فالعقل يتوفر بطبيعته على أفكار ومبادئ قطرية ( تولد مع الإنسان ) ، موجودة فيه بصورة قبلية سابقة عن التجربة الحسية تتمتع بالبداهة والوضوح ( الشيء البديهي شيء واضح يفهم عقلا ولا يحتاج إلى برهنة تجريبية ) ، والعقل لما كان يتميز بعدة صفات في أحكامه وهي : الضرورة ، الكلية ، المطلقية ، أي أن كل ما يصدر عن العقل من معاني ومفاهيم يعتبر ضروريا وكليا ومطلقا ، وهي صفات توجد كذلك في قضايا الرياضيات ومنه على أساس علاقة التعدي ، فإن الرياضيات أصلها العقل ، فالمقصود بالمطلقية هو الدقة في أحكام العقل والثبات وهذه خاصية توجد في الرياضيات ، أما الكلية فتعني أن أحكام العقل شاملة و مشتركة بين جميع الناس و لا اختلاف فيها وهذه الأخرى خاصية تجدها في أحكام الرياضيات إذ لا اختلاف فيها ، ويقصد بالضرورة أن العقل يطابق بين مقدماته ونتائجه بالضرورة ولا يقبل التناقض فيها ، وكذلك الرياضيات فهي علم يقوم على الاستنتاج ، أي استخراج نتائج تتطابق بالضرورة مع مقدماتها ، وعليه فالعلم الإنساني لا يأتي من الخارج إلى العقل، بل ينبع من العقل ذاته ، ولهذا فقد اختزل الفلاسفة العقلانيون الرياضيات في أنها جملة من المفاهيم المجردة التي لا يمكن تحققها إلا في العقل ( مثال : مفهوم المستقيم ، النقطة، المجموعات ...) فمفاهيم العدد والمكان الهندسي واللانهائي ، و الأكبر والأصغر ، كلها معان رياضية عقلية لا يمكن إيجاد مقابلات لها في الواقع المادي ( الحسني ) . ومن أنصار هذا الموقف نجد عددا من الفلاسفة العقلانيين والمثاليين أمثال ( أفلاطون ، ديكارت ، كانط ) ، حيث يرى ( أفلاطون ) أن أصل الرياضيات هو عالم المثل أو ( عالم الحقائق الأزلية ، المطلقية ، الثبات ، الخلود ، عالم غير مرئي ، عالم فيه كل شيء يقيني ، وهو عالم منفصل عن المادة ، فهو عالم للروح والمعاني والتصورات ) ، وحسب أفلاطون أن العقل كان يعيش في عالم المثل وكان على علم بكافة الحقائق بما فيها المعاني الرياضية كالأعداد والخطوط والأشكال التي هي أزلية وثابتة مثل المستقيم والدائرة والتعريف الرياضي ، لكنه عند مفارقته لهذا العالم المثالي وهبوطه إلى العالم الحسي نسي أفكاره وكان عليه أن يتذكرها ويدركها وذلك لا يحدث إلا بالعقل ، والذي يعتبره أفلاطون ملكة التذكر ، حيث يقول : " عالم المثل مبدأ كل موجود ومعقول وأن المعرفة تذكر والجهل نسيان " ويقول أيضا . " ليست مهمة العلم الرياضي خدمة التجار في عملية البيع والشراء كما يعتقد الجهال ، بل تيسير طريق النفس في انتقالها من دائرة الأشياء الفانية إلى تأمل الحقيقة الثابتة الخالدة " وعليه استند أفلاطون في تأسيس رؤيته إلى نظريته في المعرفة والوجود ، حيث اعتقد مسبقا أن المفاهيم الرياضية في خصائصها ثابتة وأزلية ومطلقة ومن هذا يحكم بانتفائها في العالم الحسي لأنه فاني ونسبي ومتغير على الدوام، فهي في أصلها موجودة في عالم المثل منذ الأزل وحقائق هذا العالم مطلقة وثابتة وأزلية ، ومثال ذلك أننا عندما نقول خمسة أقلام ، فنحن نرى الأقلام فقط و لكن لا نرى العدد 05 فهو مفهوم عقلي بحث ، وبالتالي ما هي إلا جملة أشكال هندسية ويتم إدراكها عن طريق العقل و ذلك من خلال قدرة أو ملكة التذكر وقد برهن أفلاطون على وجود عالم المثل من خلال أسطورة الكهف والتي قسم من خلالها العالم إلى قسمين : عالم مثالي يدرك بالعقل ، وعالم واقعي خاضع للتوهم الحسني وهو عالم مزيف لا وجود لحقائق ثابتة ومعارف صحيحة به ، ومن جهة أخرى قسم أفلاطون المعارف إلى أربعة اقسام : معارف عقلية ، معارف رياضية ، معارف ظنية ، ومعارف حسية.

و قد حاول إثبات الأصل العقلاني للرياضيات كونها مفاهيم فطرية وذلك من خلال محاورة مینون ( فـ مينون عبد جاهل لا يعرف شيئا من المعارف الرياضية لكن بقليل من التحفيز والمساعدة يمكن أن يقدم لنا تعريفا للمثلث ، المربع .... فهو يستعيدها من العقل لا من التجربة الحسية ) . وفي نفس الإطار يرى الفيلسوف الفرنسي ) رونيه ديكارت ) أن المفاهيم الرياضية فطرية أودعها الله فينا حيث يقول في كتابه ( التأملات ) : " المعاني الرياضية أفكار فطرية أودعها الله فينا منذ البداية " وما يلقيه الله فينا من أفكار لا يعتريه الخطأ ، وأن هذه المفاهيم تتميز بالبساطة والوضوح واليقين ، فمفهوم اللانهائي مثلا لا يمكن أن يكون نابعا من التجربة الحسية لأن هذه الأخيرة متناهية. وهو يتحقق في العقل فقط عن طريق التصور والتخيل ولما كان العقل كما يقول ديكارت . " إن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس " ، فإن المفاهيم الرياضية لا اختلاف فيها ، بل هي شاملة لجميع العقول ) كفكرة أو بديهية الكل أكبر من أحد أجزائه ، أو العد 4/3/2/1/ أو الرموز الرياضية + + + (f(x .... الخ . ويقدم ديكارت حجة أخرى يؤكد من خلالها أن العقل هو مصدر المفاهيم الرياضية ، هي أن كل المفاهيم الرياضية مفاهيم مجردة ( لا علاقة لها بالمادة ( مثل الكثير من العلاقات الحسابية والجبرية، وفكرة الدوال و المعادلات ... هي بالنسبة لديكارت مفاهيم لا توجد إلا بالعقل ولا علاقة لها بالتجربة وبالأشياء المحسوسة ، ولما كانت الرياضيات تبدأ من البديهيات لتصل إلى الاستنتاج أو الإحصاء ، فهي لا تقوم في براهينها إلا على التحليل والتركيب ، وهما عمليتان عقليتان ، وبالتالي استحالة أن يكون مصدر المفاهيم الرياضية الواقع الحسي و التجريبي . أما الفيلسوف الألماني ( إمانويل كانط ) فيرى في كتابه ( نقد العقل الخالص ) أن الرياضيات أكثر العلوم دقة ويقينا باعتبارها علما يقوم على دراسة المقادير الكمية ) كم متصل : هندسة ، كم منفصل جبر ) ، وهي مفاهيم لا يمكن تحققها إلا في إطار العقل ، فالكم المتصل ( الهندسة ) و الذي يعمل أساسا على مفهومي الزمان والمكان، وهما مفهومان مجردان فطریان و قبليان وليس مشتقين من الإحساسات أو مستمدين من التجربة ، بل إن مفهوما الزمان والمكان المطلقان العقليان هما أساس العلم الرياضي فالزمان يقدر بالجبر والمكان بالهندسة ، وعليه فالمفاهيم الرياضية مفاهيم فطرية أصلها العقل وليست مستمدة من التجربة بل هي منزهة عن ذلك . ولهذا عندما كانت الرياضيات معطى عقليا كانت من حظ الإنسان دون غيره من الأنواع الحيوانية الأخرى التي تشترك معه في الجهاز الحسي وهذا نتيجة امتلاكه للعقل ، إضافة إلى ذلك نجد أن المفاهيم الرياضية التي تجسدها على الواقع أو الورقة أو أي سطح هي مظهر من الصورة الحقيقية الموجودة في العقل ، فالدائرة المرسومة ليست هي الدائرة بالمعنى الحقيقي ، أي أن كل مفهوم رياضي ليس له ما يقابله في الواقع الحسي ، فإذا لم نقل بالطابع العقلي لها كان كل مفهوم يوجد في الذهن له ما يقابله في الواقع الحسي وهذا يخالف الواقع ، فمفهوم الدائرة يصدق على ما لانهاية من الأشياء ، وهذا كله راجع إلى أن الرياضيات قضاياها مجردة علاقاتها في منأى عن أي تغيير مثل + . - ... الخ ، وهذا تأمل خاص يتسم بالصورية والتجريد ، وخال من التناقض الشيء الذي من شأنه أن يجعل الرياضيات تتسم بالصدق واليقين، كما أن ظهور الهندسة اللإقليدية أكدت الطابع العقلي للرياضيات ، حيث نجد هذه الأخيرة صحيحة وصادقة رغم أن بناءها قائم أساسا على الاقتراض الذي يجسد ارتباط الصدق فيها بعدم تناقض النتائج مع المقدمات داخل النسق ، وما هذا إلا نشاط ذهني.

نقد وتقييم :

لكن أنصار المذهب العقلي قد بالغوا في ردهم المفاهيم الرياضية إلى العقل وحده . ذلك أن للتجربة دور كبير في نشأتها وخير دليل على ذلك التطور الكبير الذي عرفته الهندسة في مقابل الجبر لأنها تطبيق على أرض الواقع ، ومما لا شك فيه أن للعقل دورا في تطوير المفاهيم الرياضية ، لكن هذا لا يعني أنها نابعة منه ، فلو كان الأمر كذلك لوجدناها لدى جميع الناس ولحصلت عندهم دفعة واحدة دون الحاجة إلى تعلمها ، كما أن الواقع يؤكد بأن الطفل لا يدركها بطابعها المجرد ولا يفهم المعاني الرياضية إلا إذا استعان بأشياء محسوسة كالأصابع مثلا.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (1.4مليون نقاط)
 
أفضل إجابة

هل ترتد المفاهيم الرياضية كلها إلى مدركاتنا الحسية أم تعود في أصلها إلى العقل المجرد؟

الموقف الثاني :

يرى الفلاسفة التجريبيون خلافا للموقف الأول أن المفاهيم الرياضية كغيرها من المعارف الأخرى لا ترد إلينا إلا من العالم الحسي والتجريبي باعتباره المصدر اليقيني لكل معارفنا ولجميع الأفكار والعلوم ، فالرياضيات بمختلف جوانبها لم تصدر أول مرة دفعة واحدة من طرف التجريد العقلي بل إن مصدرها هو الواقع العملي، حيث لا يمكن إنكار أن فروع الرياضيات من حساب وهندسة وجبر قد نشأت في إثر الحياة اليومية والمجالات العملية للإنسان. إن الفلاسفة التجريبيون يرجعون المفاهيم المتعلقة بالحساب مثلا ، إلى الحياة التجارية أول الأمر ، حيث كانت الحاجة السبب في ظهور الأعداد ورموزها ، ثم تبعها ظهور أنظمة العد ( النظام الستيني، النظام العشري ) إلى غاية ظهور فكرة المجموعات العددية وغيرها من التطورات التي جعلت من الحساب علما مجردا ، هذه التطورات كلها تؤكد أن هذا الجانب من الرياضيات ليس مصدره العقل بل الواقع العملي . وأما فيما يتعلق بالهندسة فأصحاب هذا الموقف يعتقدون أنها أكثر فروع الرياضيات ارتباطا بالواقع الحسي ، فهي قائمة على مفاهيم المكان والزمان الواقعيان لا المجردان ، وما ارتباطها في الحضارات القديمة بفن البناء والعمارة ، ومسح الأراضي إلا دلالة على هذا الطرح ، فهندسة إقليدس وقوانين أرخميدس وفيثاغورس استخرج أغلبها في إطار تجارب حسية ، ثم تم تجريدها وعقلنتها فيما بعد ، ومن أبرز ممثلي هذا الطرح تجد الفلاسفة الإنجليز ( جون لوك ، دفيد هيوم جون ستيوارت مل ) . حيث استند ( جون لوك ) إلى نقد نظرية الأفكار الفطرية ، حيث أن الطفل الصغير لا يمتلك هذا النوع من الأفكار وبالتالي فليست موجودة أصلا ، وعليه فالعقل يولد خالي من أي فكرة وفي هذا يقول : " وهذا يعني أن المعارف كلها بما فيها المبادئ الرياضية مكتسبة وما هو مكتسب يؤخذ من العالم الحسي الواقعي الخارج عن الذات ووسيلة الاتصال بهذا العالم هي الحواس الخمس " فالطفل في مقتبل عمره يدرك مفاهيم العدد كصفة للأشياء ، فهو يستعين عند العد بأشياء محسوسة مثل : الحصى ، الأصابع ، العيدان و هذا لأنه لا يمكن أن يدرك الأعداد الرياضية بطريقة عقلية مجردة في البداية كما يرى جون لوك يرى أن : " الإنسان يولد صفحة بيضاء و التجربة هي التي تخط عليه سطورها " ومن هنا يؤكد جون لوك على الأصل التجريبي الحسي للمفاهيم الرياضية المحتواة في العقل ، ولهذا فإن كل مفهوم رياضي تجريدي في الذهن له مقابل في عالم الأشياء والظواهر الحسية ، فكل معرفة عقلية هي صدى لادراكاتنا الحسية عن هذا الواقع. وهذا ما يذهب إليه أيضا ( جون ستيوارت مل ) بأن المفاهيم الرياضية مفاهيم حسية لذلك نجد أن علم النفس يؤيد هذا التفسير حيث أن الطفل في سنين تعلمه الأولى لا يجيد الحساب إلا إذا أقترن بأشياء حسية ، فإذا سئل 1+1 كم يساوي ؟ لن يعرف المجموع لكن إذا أعطي تفاحة مثلا ثم أضيفت له أخرى فإنه يدرك أنهما اثنان ، وهذه حقيقة علمية يستند عليها علم النفس المعاصر في المنظومات التعليمية الخاصة بمادة الرياضيات خاصة في المرحلة الإعدادية ، حيث يعتمد على وسائل حسية لتعليم الحساب كالقريصات والخشيبات ، ومن الناحية التاريخية فقد ارتبطت الرياضيات عند المصرين والبابليين بالممارسات التجارية ، حتى الهندسة عند المصرين ارتبطت بظاهرة طبيعية هي فيضان نهر النيل الذي كان يؤدي في كل مرة إلى إتلاف الحدود بين الأراضي ، وإعادة تقسيمها استلزم على المصرين تعلم قواعد حساب المساحات ، ولهذا معنى عند فحص المدلول اللغوي لكلمة هندسة باللفظ اللاتيني ) جيومتري ) والتي تعني قياس الأراضي وكذلك شأن رموز الأعداد عند المصرين القدامى التي كانت مستنبطة من حركات يدوية كوضع اليد على جبهة الرأس للتدليل على العدد مائة ، والعدد خمسة هو عدد أصابع اليد الواحدة ، ونجد أنه حتى مفهوم الاحتمالات الذي يشكل مرحلة متقدمة من الفكر الرياضي ارتبط بلعبة النرد الشعبية ، وبالتالي فإن ما يثبته تاريخ الرياضيات بصفة عامة هو أن الرياضيات المشخصة كممارسة واقعية سابقة عن الرياضيات كعلم مجرد ومنه فقد ارتبطت بالحواس أولا قبل العقل ، إذ يقول ( جون ستيوارت مل ) " أن النقاط والخطوط والدوائر التي يحملها كل واحد منا في ذهنه هي مجرد نسخ من النقاط والخطوط والدوائر التي نراها في تجربتنا الحسية " . أما ( دافيد هيوم ( قيرى هو الآخر أن الحواس والعالم الواقعي هما اللذان يقدمان المعطيات الحسية التي تتألف منها المعرفة ، وما وظيفة العقل إلا التركيب بينها حيث يقول : " لا يوجد في الذهن شيء ما لم يوجد من قبل في التجربة " . ومن يولد فاقد للحاسة حسبه لا يمكن له أن يعرف ما كان يترتب من انطباعات لتلك الحاسة المفقودة من أفكار ، فالمكفوف مثلا لا يعرف ما اللون ، والأصم لا يعرف ما الصوت ، وبالتالي فإن مصدر المفاهيم الرياضية التي يعمل العقل على تجريدها هو التجربة والواقع العملي إضافة إلى هذا كله نجد تاريخ العلم يدلنا أيضا على أن الرياضيات قبل أن تصبح علما عقليا قطعت مرحلة كلها تجريبية ويشهد على ذلك أن العلوم الرياضية المادية هي التي تطورت قبل غيرها ، فالهندسة كفن قائم بذاته سبقت الحساب والجبر لأنها أقرب إلى التجربة وبهذا يصبح أصل الرياضيات هو التجربة لا مصدر آخر .

نقد وتقييم :

لقد بالغ أنصار المذهب التجريبي في ردهم المفاهيم الرياضية إلى التجربة فحسب لأن هذا إنكار الدور العقل على الإبداع والابتكار، وليس لكل مفهوم رياضي مقابل حسي في العالم الطبيعي كما يدعي الحسيين فالواقع يثبت وجود الكثير من المفاهيم مثل اللانهاية والأعداد السالبة والمركبة وغيرها ليس لها مقابل حسي ، وبالتالي فليست التجربة الحسية هي المصدر الوحيد المبادئ علم الرياضيات ، فالعدد صفر مثلا لا يوجد مقابل مادي له في الواقع .

التركيب :

عند النظر في ما جاءت به النظرية العقلية والنظرة الحسية نجدهما يفصلان بين العقل والتجربة ، رغم أن تاريخ الرياضيات يبين لنا أن المعاني الرياضية لا يمكن اعتبارها أشياء محسوسة كلها ، ولا مفاهيم معقولة خالصة ، بل يمكن أن يتكاملا معا لتفسير نشأة المعاني الرياضية ، لهذا فلا وجود لعالم مثالي للمعاني الرياضية في غياب العالم الخارجي ، ولا وجود للأشياء المحسوسة في غياب الوعي الإنساني بمعزل عن ملكة التجريد ، لذا نجد المعاني الرياضية لم تنشأ دفعة واحدة بل نمت وتطورت بالتدريج عبر الزمن ، فقد بدأت حسية تجريبية ، ثم تطورت وأصبحت مفاهيم استنتاجيه مجردة ، بل تعبر عن أعلى مراتب التجريد باستعمال الصفر الأعداد الخيالية والمركبة ، المنحنيات التي لا مماس لها ، المجاهيل " x " ، ... لهذا قال العالم السويسري ( جون بياجي ) : " إن المعرفة ليست معطى نهائي جاهزا ، وأن التجربة ضرورية لعملية التشكيل والتجريد " وهذا ما يثبت دور العقل والتجربة في إعطائنا مفاهيم رياضية ، وهنا نجد العالم الرياضي السويسري ) فردیناند غونزيت ) يقول : " في كل بناء تجريدي يوجد راسب حدسي يستحيل محوه وإزالته ، وليست هناك معرفة تجريبية خالصة ، ولا معرفة عقلية خالصة ، بل كل ما هناك أن أحد الجانبين العقلي والتجريبي قد يطغى على الآخر دون أن يلغيه تماما " . ومن وجهة نظري أرى أن تعارض الموقفين العقلي والتجريبي لا يؤدي بالضرورة إلى رفضهما لأن كلا منهما صحيح في سياقه ، ويبقى أصل المفاهيم الرياضية هو ذلك التداخل والتكامل الموجود بين العقل والتجربة ، فلا يمكن إنكار دور كلا منهما في نشأة المفاهيم الرياضية.

حل المشكلة :

مما سبق تستخلص أن لا العقل لوحده يمكنه تفسير أصل نشأة المفاهيم الرياضية ولا الحواس لوحدها قادرة على ذلك لذلك وجب الجمع بينهما ، أي أن العقل والحواس معا متكاملان و متمازجان يفسران نشأة مبادئ علم الرياضيات لذلك يمتنع الفصل بينهما ليس في مسألة المعارف الرياضية فحسب بل في كل أصناف المعارف الإنسانية الأخرى ، حيث يقول الفيلسوف الألماني ( هيغل ) " كل ما هو عقلي واقعي وكل ما هو واقعي عقلي " وأما بخصوص علم الرياضيات فإنه يبقى أرقى العلوم دقة وتميزا ، وذلك ناتج من طبيعة موضوعاته ومناهجه المنسجمة معها ، والتي تنتج عنها حقائق صارمة انبهر الكثير من الفلاسفة والعلماء بها.

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى تفوقنا، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...